نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٥
قال: «زيد منطلق» و «قائمة هند» ، و الآيات بخلاف هذا الموضع؛ لأنّا متى جعلنا الكناية في قوله: إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ و إِنَّهََا بَقَرَةٌ صَفْرََاءُ و إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ ذَلُولٌ متعلّقة بالحال و القصّة، بقي معنا في الكلام ما لا فائدة فيه و لا يستقلّ بنفسه؛ لأنّه لا فائدة في قوله: بَقَرَةٌ صَفْرََاءُ و بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ، و لا بدّ من ضمّ كلام إليه حتّى يستقلّ و يفيد، فإن ضممنا إلى قوله: بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ أو بَقَرَةٌ صَفْرََاءُ الّتي أمرتم بذبحها، أفاد لعمري، فبطل صرف الكناية إلى غير البقرة، و وجب أن تصرف الكناية إلى البقرة حتّى لا يحتاج أن يحذف خبر المبتدأ، و الاكتفاء بما في الكلام أولى من تأويل يقتضي العدول إلى غيره، و حذف شيء ليس بموجود في الكلام.
و ممّا يدلّ على صحّة ما نصرناه أنّ جميع المفسّرين للقرآن أطبقوا على أنّ الصفات المذكورات للبقرة أعوز اجتماعها للقوم حتّى توصّلوا إلى ابتياع بقرة لها هذه الصفات كلّها بملء جلدها ذهبا، و لو كان الأمر على ما قاله المخالفون لوجب أن لا يعتبر فيما يبتاعونه و يذبحونه إلاّ الصفات الأخيرة، دون ما تقدّمها، و يلغى ذكر الصفراء، أو الّتي ليست بفارض و لا بكر، و أجمعوا على أنّ الصفات كلّها معتبرة، فعلم أنّ البيان تأخّر و أنّ الصفات كلّها للبقرة الأولى.
فإن قيل: فلم عنّفوا على تأخير هم امتثال الأمر الأوّل، و عندكم أن البيان للمراد بالأمر الأوّل تأخّر و لم قال سبحانه: فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ.
قلنا: ما عنّفوا بتأخير امتثال الأمر الأوّل، و ليس في القرآن ما يشهد بذلك، بل كان البيان شيئا بعد شيء، كلّما طلبوه و استخرجوه، من غير تعنيف، و لا قول يدلّ على أنّهم عصاة بذلك. فأمّا قوله تعالى في آخر القصّة: فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ فإنّما يدلّ على أنّهم كادوا يفرّطون في آخر القصّة و عند تكامل البيان، و لا يدلّ على أنّهم فرّطوا في أوّل القصّة. و يجوز أن يكونوا ذبحوا بعد تثاقل، ثمّ فعلوا ما أمروا به [١] .
[١] الذريعة، ١: ٣٦٤.