نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٩ - سورة البقرة
مكروههم؛ و هو ضرب من العقاب الذي يستحقّونه بأفعالهم القبيحة؛ لأنّ من طمع في النجاة و الخلاص من المكروه، و اشتدّ حرصه على ذلك؛ ثمّ حيل بينه و بين الفرج و ردّ إلى المكروه يكون عذابه أصعب و أغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه.
فإن قيل: فعلى هذا الجواب، ما الفعل الذي هو الاستهزاء؟.
قلنا: في ترداده لهم من باب إلى آخر على سبيل التعذيب معنى الاستهزاء؛ من حيث كان إظهارا لما المراد بخلافه؛ و إن لم يكن فيه من معنى الاستهزاء ما يقتضي قبحه من اللهو و اللعب و ما جرى مجرى ذلك.
و الجواب السابع: أن يكون ما وقع منه تعالى ليس باستهزاء على الحقيقة؛ لكنّه سمّاه بذلك ليزدوج اللفظ و يخفّ على اللسان؛ و للعرب في ذلك عادة معروفة في كلامها؛ و الشواهد عليه مذكورة مشهورة.
و هذه الوجوه التي ذكرناها في الآية يمكن أن تذكر في قوله تعالى:
وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ [١] ؛ و فى قوله تعالى: إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ هُوَ خََادِعُهُمْ [٢] فليتأمّل ذلك.
فأمّا قوله تعالى: وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد: أنّى أملي لهم ليؤمنوا و يطيعوا؛ و هم مع ذلك مستمسكون بطغيانهم و عمههم.
و الوجه الآخر: أن يريد بـ «و يمدّهم» أنّه يتركهم من فوائده و منحه التي يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم، و يمنعها من الكافرين عقابا كشرحه لصدورهم، و تنويره لقلوبهم؛ و كلّ هذا واضح بحمد اللّه [٣] .
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ نََاراً فَلَمََّا أَضََاءَتْ مََا حَوْلَهُ ذَهَبَ اَللََّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ لاََ يُبْصِرُونَ (١٧) [البقرة: ١٧].
[١] سورة الأنفال، الآية: ٣٠.
[٢] سورة النساء، الآية: ١٤٢.
[٣] الأمالي، ٢: ١٢٦.