نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨١ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
الأفهام المختلفة، ليأخذ كلّ فهم حصّته... » [١] ، و العلم بالنظم القرآني هو الّذي «يبرز الأسرار و النكت في أسلوب القرآن، و يكشف الفروق المعنوية الدقيقة بين خصوصيات التراكيب، و يربط هذه الخصوصيات بالسياق و الغرض العام» [٢] . و قد تنبّه علماؤنا القدامي على أهمّيّة السياق في النصّ القرآني، و الفوائد الّتي تجتنى منه في تحديد المراد و تخصيص العامّ و تقييد المطلق، و لذا قال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) : «دلالة السياق، فإنّها ترشد إلى تبيّن المجمل، و القطع بعدم احتمال غير المراد، و تخصيص العام، و تقييد المطلق و تنوع الدلالة، و هو من أعظم القرائن الدالّة على مراد المتكلّم» [٣] .
فالسياق-إذن-يؤثّر تأثيرا كبيرا في تحديد المفردات القرآنية، و ذلك لخصوص الاستخدام القرآني لعدد من الألفاظ، و لا سيّما أنّ النظم القرآني اكتسبت به قسم من الألفاظ، دلالات خاصّة من معانيها العامّة أو صار لبعضها دلالة جديدة غير معهودة سابقا تطلبها السياق القرآني أو الجو الديني العام، فمن أهمله غلط في نظره و غالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ [٤] ، كيف نجد سياقه يدلّ على أنّه الذليل الحقير» [٥] .
و قد وقف الشريف المرتضى عند قوله تعالى: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٦] . و يتوقّع أنّ سائلا يسأل: كيف يطابق وصفهم بالعلم هاهنا لوصفهم بالجهل في قوله تعالى: قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ [٧] .
و في الجواب يقول: هذه الآية معناها متعلّق بما قبلها، لأنّه تعالى أمرهم بعبادته، و الاعتراف بنعمته، ثمّ عدّد عليهم صنوف النعم الّتي ليست إلاّ من جهته، ليستدلوا
[١] إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز: ٦٢.
[٢] البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري: ١٨٩.
[٣] البرهان في علوم القرآن، ٢: ٢٠٠.
[٤] سورة الدخان، الآية: ٤٩.
[٥] بدائع الفوائد، ٤-٩/١٠.
[٦] سورة البقرة، الآية: ٢٢.
[٧] سورة الزمر، الآية: ٦٤.