نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤١ - الثاني فصل في ذكر الدلالة على أنه ليس للعموم المستغرق لفظ يخصه و اشتراك هذه الألفاظ الّتي يدّعى فيها الاستغراق
خلاف ما ادّعيتم، و إنّما يخرج الاستثناء عندهم ما جاز أو صح دخوله، دون ما وجب، و إنّما صحّ استثناء كلّ عاقل من قول القائل: من دخل داري أكرمته، لصحّة دخوله تحت هذه اللفظة، و صلاح هذه اللفظة للاشتمال على الكلّ، و لمّا لم تصلح ان تشتمل على البهائم، لم يحسن استثنائها؛ لأنّ استثناء ما لا يصحّ دخوله تحت اللّفظ ليس يحسن.
فإن قالوا: الاستثناء من لفظ العموم كالاستثناء من ألفاظ الأعداد، فكما أنّ الاستثناء من العدد يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله، فكذلك الاستثناء من لفظ العموم.
قلنا: ليس بواجب أن يكون الاستثناء من الاعداد إذا كان يخرج ما لولاه لوجب دخوله أن يكون جميع الاستثناء كذلك، و غير منكر أن يكون الاستثناء إنّما وضع لأن يخرج ما لولاه لصحّ دخوله في الكلام، فإن أخرج في بعض المواضع ما لولاه، لوجب دخوله، فلأنّ فيما يجب دخوله الصحّة و زيادة، و هذا كما يقول أهل التوحيد أن الحيّ من صحّ أن يكون عالما و قادرا، فإذا عورضوا بالقديم سبحانه قالوا: الوجوب يشتمل على الصحّة و يزيد عليها.
و قد كان الخالدي و جماعة ممّن خالف في العموم سوّوا في الاستثناء بين ألفاظ العموم و الأعداد، و الّذي ذكرناه أوّلا أولى بالاعتماد عليه.
فإن قالوا: هذا الّذي ذهبتم إليه يؤدّي إلى جواز وقوع الاستثناء في النكرات، و قد علمنا فساده.
قلنا: إنّ الاستثناء من النكرات ينقسم إلى استثناء معرفة من نكرة، و إلى استثناء نكرة من نكرة: فأمّا استثناء المعرفة من النكرة، فلا شبهة في حسنه و جوازه عند أهل العربيّة؛ لأنّهم يقولون: ألق قوما إلاّ زيدا، و اضرب جماعة إلاّ عبد اللّه. فأمّا استثناء النّكرة من النّكرات فقد قال أبو بكر ابن السّراج في كتابه المعروف بالأصول في النّحو: و لا يجوز أن يستثنى النّكرة من النكرات في الموجب؛ لأنّه لا يجوز أن تقول جاءني قوم إلاّ رجلا؛ لأنّ هذا لا فائدة فيه، قال: فإن خصّصته، أو نعتّه، جاز، فهذا تصريح بحسن الاستثناء من النكرة. غ