نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٥٦
روى عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: «من تعلّم القرآن ثمّ نسيه لقى اللّه و هو أجذم» .
قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم مفسّرا لهذا الحديث في كتابه غريب الحديث: الأجذم: المقطوع اليد، و استشهد بقول المتلمّس [١] :
و ما كنت إلاّ مثل قاطع كفّه # بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
و قد خطّأ عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة أبا عبيد في تأويله هذا الخبر و قال: الأجذم و إن كان المقطوع اليد؛ فإنّ هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع.
قال: لأنّ العقوبات من اللّه تعالى لا تكون إلاّ وفقا للذّنوب و بحسبها، و اليد لا مدخل لها في نسيان القرآن، فكيف يعاقب فيها!و استشهد بقوله تعالى:
اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبََا لاََ يَقُومُونَ إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِ [٢] ، و زعم أن تأويل الآية أنّ الرّبا إذا أكلوه ثقل في بطونهم، و ربا في أجوافهم، فجعل قيامهم مثل قيام من يتخبّطه الشيطان تعثّرا و تخبّلا. و استشهد أيضا بما روي عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: «رأيت ليلة أسري بي قوما تقرض شفاههم، و كلّما قرضت وفت، فقال لي جبريل: هؤلاء خطباء أمتك، تقرض شفاههم؛ لأنّهم يقولون ما لا يفعلون» . قال: و الأجذم في الخبر إنّما هو المجذوم؛ و إنّما جاز أن يسمّى المجذوم أجذم؛ لأنّ الجذام يقطع أعضاءه و يشذّ بها؛ و الجذم هو القطع.
[أقول: ]و قد أخطأ الرجلان جميعا، و ذهبا عن الصواب ذهابا بعيدا، و إن كان غلط ابن قتيبة أفحش و أقبح؛ لأنّه علّل غلطه، فأخرجه إلى أغاليط كثيرة؛ و نحن نبيّن معنى الخبر ثمّ نتكلّم على ما أورداه.
[١] هو جرير بن عبد المسيح الضبعي، و البيت من قصيدة له أولها:
يعيّرني امّي رجال و لا أرى # أخا كرم إلاّ بأن يتكرّما
و هي في (ديوانه ١٦٩، و الأصميات ٦٤-٦٥، و مختارات ابن الشجري ٢٨-٢٩) ؛ و خبر القصيدة في (الخزانة ٤/٢١٥-٢١٦) .
[٢] سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.