نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٥٧
أمّا معنى الخبر فهو ظاهر لمن كان له أدنى معرفة بمذاهب العرب في كلامها؛ و إنّما أراد عليه السّلام بقوله: يحشر أجذم؛ المبالغة في وصفه بالنقصان عن الكمال، و فقد ما كان عليه القرآن من الزينة و الجمال. و التشبيه له بالأجذم من حسن التشبيه و عجيبه؛ لأنّ اليد من الأعضاء الشريفة التي لا يتمّ كثير من التصرّف و لا يوصل إلى كثير من المنافع إلاّ بها؛ ففاقدها يفقد ما كان عليه من الكمال، و تفوته المنافع و المرافق التي كان يجعل يده ذريعة إلى تناولها؛ و هذه حال ناسي القرآن و مضيّعه بعد حفظه، لأنّه يفقد ما كان لابسا له من الجمال، و مستحقّا له من الثواب، و هذه عادة للعرب في كلامهم معروفة؛ يقولون فيمن فقد ناصره و معينه: فلان بعد فلان أجدع، و قد بقي بعده أجذم؛ قال الفرزدق يرثي مالك بن مسمع:
تضعضع طودا وائل بعد مالك # و أصبح منها معطس العزّ أجدعا
و إنّما أراد المعنى الذي ذكرناه. و للعرب ملاحن في كلامها، و إشارات إلى الأغراض، و تلويحات بالمعاني، متى لم يفهمها و يسرع إلى الفطنة بها من تعاطى تفسير كلامهم، و تأويل خطابهم كان ظالما نفسه، متعدّيا طوره.
و نعود إلى الكلام على ما ذكره الرجلان؛ أمّا أبو عبيد فإنّ خطأه من حيث لم يفطن للغرض من الخبر، و ضلّ عن وجهه، و إلاّ فالأجذم هو الأقطع لا محالة-كما قال-إلاّ أنّه لا يليق بهذا الموضع، فإذا حمل عليه لم يفد شيئا؛ و إن كانت شبهته الّتي أوقعته في هذا التأويل ظنّه أنّ ذلك يكون على سبيل العقوبة على نسيان القرآن فليس كما ظن، لأنّ الجذم أوّلا ليس بعقوبة، لأنّ اللّه تعالى قد يجذم أولياءه و الصالحين من عباده، و يقطّع أعضاءهم بالأمراض، و قد يبتدىء خلق من هو ناقص الأعضاء، فليس بلازم في الجذم أن يكون عقوبة. ثمّ لو كان يستحقّ ناسي القرآن عقوبة على نسيانه لكان حفظ القرآن بأسره فرضا واجبا و حتما لازما؛ لأنّ العقوبة لا تستحقّ بترك ما ليس بواجب، و ليس حفظ جميع القرآن كذلك.
و أمّا ابن قتيبة فإنّه غلط من حيث لم يفطن للوجه في الخبر الذي ذكرناه؛ من