فاجعة الطف - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥٦٤ - خطبة الزهراء
ما قدمت لهم أنفسهم ((أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ)) [١] .
لا جرم [٢] لقد قلدتهم ربقتها [٣] وحملتهم أوقتها [٤] وشننت عليهم غاراتها [٥] فجدعاً [٦]، وعقراً [٧] و((بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [٨] .
ويحهم أنى زعزعوها [٩] عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين [١٠] بأمور الدنيا والدين؟! ((أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ))! [١١] .
وما الذي نقموا من أبي الحسن (عليه السلام) ؟! نقموا والله منه نكير سيفه، وقلة مبالاته لحتفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره [١٢] في ذات الله.
وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة، لردهم إليه، وحملهم عليها ولسار بهم سيراً سجحاً [١٣] لا يكلم حشاشه [١٤] ولا
[١] سورة المائدة الآية: ٨٠.
[٢] عن الفراء أنه قال: "لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لابد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة حقاً".
[٣] التقليد جعل الشيء في العنق، كالقلادة. والربقة بالكسر: العروة في الحبل. ومرادها (عليه السلام) أنها تحملهم جريمة نقل الخلافة عن موضعها ومسؤولية ذلك.
[٤] الأوق الثقل. وهذه الفقرة مؤكدة لمضمون الفقرة السابقة.
[٥] شنّ الغارة عليهم: وجهها من كل جهة. ومرادها (عليه السلام) توجيه اللوم والتبكيت عليهم.
[٦] الجدع: قطع الأنف ونحوه. يقال: جدعاً لك، أي: جعلك الله معيباً وقطع عنك الخير.
[٧] العقر الجرح ونحوه مما يوقع بالشيء ويعيبه. وهذه الفقرة مؤكدة لمضمون الفقرة السابقة.
[٨] سورة هود الآية: ٤٤.
[٩] أي: الخلافة.
[١٠] رجل طبن أي: فطن حاذق عالم بكل شيء. ولعل الطبين مبالغة في ذلك.
[١١] سورة الزمر الآية: ١٥.
[١٢] التنمر: الغضب والشدة.
[١٣] مشية سحج أي: سهلة.
[١٤] الكلم: الجرح. والحشاش بكسر الحاء المهملة: الجانب من كل شيء. وكأن المراد أن السير سهل بحيث لا يجرح الحبل الذي يشد به وسط الدابة جنبه، وفي نسخة أخرى ورواية أخرى للخطبة: "لا يكلم خشاشه" بكسر الخاء المعجمة وهو الخشبة التي تجعل في أنف البعير ويشد بها الزمام ليكون أسرع لانقياده. وهذه الخشبة قد تجرح أنف البعير أو تخرمه عند صعوبة السير، ولا يكون ذلك مع سهولة السير.