فاجعة الطف - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٣٩٨ - نهضة الإمام الحسين
المقام الثاني
في الجانب العاطفي
وقد خدمت واقعة الطف دعوة التشيع في هذا الجانب من جهتين:
نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) شيعية الاتجاه
الجهة الأولى: أن الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وإن رفع شعار الإصلاح في أمة الإسلام، إلا أنه رفعه بلواء التشيع، فهو:
أولاً: يقول في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية حينما أراد الخروج من المدينة: "...وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالم، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه واله) . أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب..." [١] .
[١] العوالم ص:١٧٩، واللفظ له. بحار الأنوار ج:٤٤ ص:٣٢٩ـ٣٣٠. مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج:٣ ص:٢٤١ فصل في مقتله (عليه السلام) . لكن ذكره على أنه كلام للإمام الحسين (عليه السلام) خاطب به محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس لما أشارا عليه بترك الخروج للعراق.
ومن الطريف أن ابن أعثم روى الكتاب هكذا: "...أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد، وسيرة أبي علي بن أبي طالب، وسيرة الخلفاء الراشدين...". الفتوح لابن أعثم ج:٥ ص:٢٣ ذكر وصية الحسين (رضي الله عنه) لأخيه محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) . وتبعه في ذلك الخوارزمي في مقتله ج:١ ص:١٨٩.
هذا ولا ينبغي الإشكال في كون هذه الزيادة موضوعة..
أولاً: لأن إطلاق عنوان (الخلفاء الراشدين) على الأولين لم يعرف في عصور الإسلام الأولى، وإنما حدث بعد ذلك في عصر العباسيين.
وثانياً: لأن ذلك لا يتناسب مع رفض أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) لاشتراط عبد الرحمن بن عوف في بيعة الشورى الالتزام بسيرة أبي بكر وعمر.
وثالثاً: لأن ذلك لا يتناسب مع كون أنصار الإمام الحسين (صلوات الله عليه) الذين دعوه واستجاب لهم هم شيعته من أهل الكوفة، وموقفهم ممن تقدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) معلوم. ولاسيما عثمان، حيث إن سيرته أثارتهم فيمن ثار عليه.
وهذا حجر بن عدي من أعيان الشيعة في الكوفة ورد في شهادة الشهود في تجريمه: "وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب". الكامل في التاريخ ج:٣ ص:٤٨٣ ذكر مقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهم.
ولما قدم عبد الله بن مطيع الكوفة والياً من قبل عبد الله بن الزبير خطب الناس، فقال في جملة ما قال: "وأمرني بجباية فيئكم، وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضى منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين...".
فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: "أما أمر ابن الزبير إياك أن لا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى... وأن لا يسار فينا إلا بسيرة علي بن
أبي طالب... ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئن، ولا في أنفسن، فإنها إنما كانت أثرة وهوى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئن، وإن كانت أهون السيرتين علينا ضر...".
فقال يزيد بن أنس: "صدق السائب بن مالك وبر. رأينا مثل رأيه وقولنا مثل قوله". تاريخ الطبري ج:٤ ص:٤٩٠ أحداث سنة ست وستين من الهجرة، واللفظ له. الكامل في التاريخ ج:٤ ص:٢١٣ أحداث سنة ست وستين من الهجرة: ذكر وثوب المختار بالكوفة. ولكنه بتر كلام يزيد بن أنس. البداية والنهاية ج:٨ ص:٢٩٠ـ٢٩١ أحداث سنة ست وستين من الهجرة. ولكنه أجمل الرواية مع بعض التصرف فيه. نهاية الأرب في فنون الأدب ج:٢١ ص:٦ـ٧ ذكر وثوب المختار في الكوفة. جمهرة خطب العرب ج:٢ ص:٦٨ـ٦٩ خطبة عبد الله بن مطيع العدوي حين قدم الكوفة.
وقريب منه في الفتوح لابن أعثم ج:٥ ص:٢٤٩ ابتداء خروج المختار بن أبي عبيد وما كان منه، وأنساب الأشراف ج:٦ ص:٣٨٣ في أمر المختار بن أبي عبيد الثقفي وقصصه، وغيرهما من المصادر
ورابعاً: لأن المعركة في الطف قد تضمنت ما لا يناسب ذلك. ففي حديث عفيف بن زهير ـ وكان ممن شهد المعركة ـ قال: "وخرج يزيد بن معقل... فقال: يا برير بن خضير كيف ترى صنع الله بك؟ قال: صنع الله ـ والله ـ بي خير، وصنع الله بك شر. قال: كذبت، وقبل اليوم ما كنت كذاب. هل تذكر وأنا أماشيك في بني لوذان وأنت تقول: إن عثمان بن عفان كان على نفسه مسرف، وإن معاوية بن أبي سفيان ضال مضل، وإن إمام الهدى والحق علي بن أبي طالب؟ فقال له برير: أشهد أن هذا رأيي وقولي. فقال له يزيد بن
معقل: فإني أشهد أنك من الضالين. فقال له برير بن خضير: هل لك؟ فلأباهلك، ولندع الله أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المبطل، ثم اخرج فلأبارزك؟ قال: فخرج، فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحق المبطل، ثم برز كل واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يزيد بن معقل برير بن خضير ضربة خفيفة لم تضره شيئ، وضربه برير بن خضير ضربة قدّت المغفر وبلغت الدماغ، فخرّ كأنما هوى من حالق، وإن سيف برير بن خضير لثابت في رأسه. فكأني أنظر إليه ينضنضه من رأسه...". تاريخ الطبري ج:٤ ص:٣٢٨ـ٣٢٩ في أحداث سنة إحدى وستين من الهجرة.
وفي حديث هانئ بن عروة أن نافع بن هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول: "أنا الجملي، أنا على دين علي". قال: "فخرج إليه رجل يقال له: مزاحم بن حريث، فقال: أنا على دين عثمان. فقال له: أنت على دين شيطان. ثم حمل عليه فقتله". تاريخ الطبري ج:٤ ص:٣٣١ في أحداث سنة إحدى وستين من الهجرة، واللفظ له. مقتل الحسين للخوارزمي ج:٢ ص:٥. وقد ذكر ابن كثير كلام نافع من غير أن يذكر تتمة الرواية. راجع البداية والنهاية ج:٨ ص:١٩٩ في أحداث سنة إحدى وستين من الهجرة.
ومن الظاهر أن ذلك بمرأى ومسمع من الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وما كانا ليخالفانه في الرأي، فكيف يصدق عليه (عليه السلام) مع ذلك أن يلتزم بسيرة الخلفاء وفيهم عثمان؟!... إلى غير ذلك مما يشهد بافتعال هذه الزيادة على سيد الشهداء (صلوات الله عليه) .