فاجعة الطف - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٠٧ - أثر هذه الثقافة في إفريقية
فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم ل؟ قال: نفعل.
فلما طال عليهم، ونفدت نفقاتهم، كتبوا أسماءهم في رقاع، ورفعوها إلى الوزراء، وقالوا: هذه أسماؤنا وأنسابن، فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه.
ثم كان وجههم إلى إفريقية، فخرجوا على عامل هشام، فقتلوه، واستولوا على إفريقية. وبلغ هشاماً الخبر، فإذا هم النفر الذين جاء الخبر أنهم صنعوا ما صنعوا" [١] .
وهو يكشف بوضوح عن تأثير هذه الثقافة في تشويه مفهوم وجوب الطاعة حتى يُتحمّل من أجلها مثل هذا الظلم. كما يكشف عن استغفال الناس ـ نتيجة العوامل السابقة ـ حتى صاروا يحترمون هؤلاء الخلفاء الجبارين، ويعظمونهم هذا التعظيم، مع شدة تعلقهم بالدني، وانغماسهم في الملذات بإسراف وإفساد، بحيث يبلغ بهم الأمر أن يطلبوا جلد السخال البيض ولو توقف تحصيل الواحد منه على أن يبقروا بطن ألف شاة لعامة الرعية من المسلمين.
وبدلاً من أن يأنف هؤلاء المستغفلون أن يكون هؤلاء ولاة عليهم وأمراء للمؤمنين، يحتملون ذلك، ويخلون أمراءهم يفعلونه، ويقولون: "ما أيسر هذا لأمير المؤمنين".
ومن الملفت للنظر أن الراوي لا ينعى على الخلفاء ظلمهم وظلم عمالهم لهؤلاء، واحتجابهم عنهم بحيث لا يتسير لهم إبلاغ ظلامتهم، حتى يضطرهم ذلك لشق العصا والخروج عن طاعتهم، بعد أن كانوا ـ كما يقول ـ أحسن أمة إسلاماً وطاعة، بل يظهر عليه الأسف لإفساد أهل العراق ودعاتهم لهؤلاء
[١] تاريخ الطبري ج:٣ ص:٣١٣ أحداث سنة سبع وعشرين من الهجرة: ذكر الخبر عن فتح أفريقية وعن سبب ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر وعزل عثمان عمرو بن العاص عنه، واللفظ له. الكامل في التاريخ ج:٣ ص:٩٢ـ٩٣ أحداث سنة سبع وعشرين من الهجرة: ذكر انتقاض افريقية وفتحها ثانية.