فاجعة الطف - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥٤٨ - خطبة الزهراء
فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة [١] النفاق، وسمل جلباب الدين [٢]، ونطق كاظم الغاوين [٣]، ونبغ خامل الأقلين [٤]، وهدر فنيق المبطلين [٥]، فخطر [٦] في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه [٧] هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين [٨]، ثم استنهضكم فوجدكم خفاف، وأحشمكم فألفاكم غضاباً [٩] فوسمتم غير إبلكم [١٠] ووردتم غير مشربكم [١١] .
هــذا والعــهد [١٢] قريب، والكلم رحيب [١٣]، والجرح لما
[١] الحسك والحسكة والحسيكة الحقد، تشبيهاً بنبات الحسك.
[٢] سمل بمعنى صار خلِق. والجلباب نوع من الثياب، وأضيف للدين على نحو التشبيه. نظير قوله تعالى: ((قد
أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير)) (سورة الأعراف الآية:٢٦) . ومرادها (عليه السلام) أن الدين قد ضعف أثره فيهم.
[٣] الكاظم هو الحابس صوته. ومرادها (عليه السلام) أن الغواة نطقوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن كانوا قد اضطروا للسكوت في حياته.
[٤] يعني: أن الخاملين الذين لا شأن لهم قد رفعوا رؤوسهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
[٥] هدر البعير ردد صوته في حنجرته، والفنيق هو الفحل الذي لا يركب لكرامته على أهله.
[٦] خطر في مشيته سار معجباً بنفسه يرفع يديه ويضعهم.
[٧] كأنها (عليه السلام) تشبه الشيطان بالقنفذ الذي يخفي رأسه في بدنه عند الخوف، فإذا ذهب الخوف أطلع رأسه. وكذلك حال الشيطان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
[٨] يعني: تنظرون لأسباب العز التي يسوّل بها الشيطان، وتنتهزون الفرصة من أجله.
[٩] أحشمه: هيجه وأغضبه. وكأنها (عليه السلام) تريد أن الشيطان هيجهم واختبرهم فوجدهم قد فقدوا أحلامهم ورشدهم، فخفوا لطلب الدنيا يغضبون له، وينعطفون إليه.
[١٠] وسم الحيوان: كواه. وكانوا يفعلون به ذلك ليتميز به على أنه ملكه.
[١١] يعني: أنكم أتيتم إلى ماء ليس بماء لكم فشربتم منه. وأرادت (عليه السلام) بهاتين الفقرتين الكناية عن غصبهم للخلافة، وسلبها من أهله، وهم أهل البيت (عليهم السلام) .
[١٢] لا يبعد كون مرادها (عليه السلام) أن العهد الذي أخذ عليهم من الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر الخلافة قريب، لم يبعد أمده، كي يمكن الغفلة عنه ونسيانه.
[١٣] الكلم: الجرح، والرحيب من الرحب، وهو السعة. وكأن مرادها (عليه السلام) أن جرح الإسلام وأهل البيت (عليهم السلام)
بوفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واسع عميق.