دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٥٠ - رجوع المرجحات إلى الصدور
و كونها (١) في مقطوعي الصدور متمحضة في ترجيح الجهة لا يوجب (٢) كونها كذلك (٣) في غيرهما، ضرورة (٤): إنه لا معنى للتعبد بسند ما يتعيّن حمله على التقية،
(١) هذا إشارة إلى توهم و دفعه:
أما التوهّم فتقريبه: مقايسة المقام- أعني: الخبرين الظنيين سندا- بالخبرين القطعيين كذلك في كون مخالفة العامة مرجحة من حيث الجهة؛ بأن يقال: إن مخالفة القوم كما تكون مرجحة جهتية في القطعيين، كذلك تكون مرجحة جهتية في الظنيين؛ إذ لا فرق في مرجحيتها من حيث بين الظنيين و القطعيين؛ لحجيتهما معا، غاية الأمر: أن الحجية في القطعيين ذاتية و في الظنيين تعبدية، فلا موجب لجعل مخالفة العامة مرجحة للصدور في الظنيين فقط؛ بل لا بد أن تكون مرجحة لجهة الصدور في القطعيين أيضا.
و أما دفع التوهّم فمحصله: أن مقايسة الظنيين بالقطعيين غير صحيحة؛ لأنها مع الفارق ضرورة: أن القطع الوجداني بالسند في القطعيين يوجب حمل الموافق للعامة على التقية، فتكون مخالفة العامة مرجحة لجهة الصدور لا لنفسه؛ إذ لم يرد من الشارع تعبّد في ناحية السند مثل: «صدّق العادل». و حيث كان الصدور قطعيا و لم يكن قابلا لإعمال التعبد الشرعي، فلا معنى لجعل مخالفة العامة- التي هي من المرجحات التعبدية مرجحة للسند؛ بل يتعين كونها مرجحة للجهة.
هذا بخلاف الظنيين، فإن صدورهما تعبدي لا وجداني، و من المعلوم: أن التعبد موقوف على الأثر الشرعي، و لا أثر هنا إلّا الحمل على التقية الذي هو عبارة أخرى عن الطرح، فلا يصح التعبد بصدور الخبر الموافق للعامة ثم حمله على التقية، بخلاف المخالف لهم فإن التعبد بصدوره مما له الأثر، فيحكم بصدوره لمخالفته للعامة، فهذه المخالفة مرجحة لصدوره بعد أن كان مقتضى أدلة حجيّة الخبر صدور كليهما؛ لكن لأجل التعارض لا يمكن الحكم بصدورهما معا فيحكم بصدور المخالف لهم.
و بالجملة: فالمخالفة للعامة مرجحة للسند في الخبر المخالف لهم لترتب الأثر عليه.
(٢) خبر ل «و كونها» و دفع للتوهم المزبور. و قد عرفت توضيح الدفع.
(٣) يعني: مرجحة للجهة، و ضمير «كونها» راجع على المخالفة و ضمير «غيرهما» راجع إلى «مقطوعي الصدور».
(٤) تعليل لقوله: «لا يوجب». و هذا إشارة إلى عدم أثر شرعي يترتب على التعبد بسنده حتى يصح التعبد بصدوره؛ إذ لا أثر لهذا التعبد إلّا الحمل على التقية الذي هو معنى الطرح، و ليس هذا أثرا شرعيا يصحّح التعبد كما تقدم توضيحه آنفا.