دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٣٥ - و يمكن تقريب الورود بوجهين
و أما حديث الحكومة (١): فلا أصل له أصلا، فإنه (٢) لا نظر لدليلها إلى مدلول
و بالجملة: فوجه تقدم الأمارة المعتبرة غير العلمية على الاستصحاب عند المصنف هو الورود، و قد عرفت تقريبه بوجهين، فلاحظ.
(١) و هو الذي اختاره الشيخ «(قدس سره)»، فإنه جعل تقدم أدلة الأمارة على أدلة الاستصحاب على وجه الحكومة، فإنه جعل الحكومة تنزيل شيء خارج عن موضوع دليل منزلة ذلك الموضوع في الآثار الشرعية، كتنزيل الطواف منزلة الصلاة في الأحكام، أو تنزيل شيء داخل في موضوع منزلة ما هو خارج عنه في عدم ترتيب أحكامه عليه كتنزيل الصلاة رياء أو بلا ولاية أو بلا طهارة منزلة عدمها في عدم ترتيب أحكام الصلاة عليها.
قال الشيخ في الأمر الثالث مما يعتبر في جريان الاستصحاب: «و معنى الحكومة أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عما يقتضيه الدليل الآخر لو لا هذا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه دليله لو لا الدليل الحاكم ...
ففيما نحن فيه إذا قال الشارع: اعمل بالبينة في نجاسة ثوبك، و المفروض: أن الشك موجود مع قيام البيّنة على نجاسة الثوب، فإن الشارع جعل الاحتمال المخالف للبيّنة كالعدم، فكأنه قال: لا تحكم على هذا الشك بحكمه المقرر في قاعدة الاستصحاب.
و افرضه كالمعدوم» [١].
فحكومة البيّنة على الاستصحاب على ما أفاده عبارة عن تنزيل احتمال الخلاف الذي هو مفاد الاستصحاب منزلة العدم في عدم ترتيب حكم نقض اليقين بالشك عليه، و ترتيب آثار ضد الحالة السابقة و هو ما قامت البيّنة عليه من نجاسة الثوب في المثال، فلا يجري استصحاب طهارته المتيقنة سابقا المشكوكة لا حقا؛ لأن احتمال الطهارة ملغى بمقتضى البيّنة القائمة على النجاسة.
و ببيان أوضح: دليل اعتبار الأمارة- كآية النبأ- يدل على وجوب تصديق العادل و إلغاء احتمال خلافه، فإذا أخبر العادل بحرمة العصير العنبي المغلي قبل ذهاب ثلثيه مثلا كان مقتضى وجوب تصديقه إلغاء احتمال خلاف حرمته و هو حليته، و من المعلوم أن هذا الاحتمال مورد استصحاب الحلية، و هو منفي تنزيلا بخبر العادل بالحرمة، فالأمارة المعتبرة نافية لموضوع الاستصحاب تنزيلا و إن كان باقيا تكوينا.
و هذه الحكومة من الحكومة المضيّقة، لأنها تضيق الموضوع بإخراج فرد منه، و حصر حجية الاستصحاب بغير مورد الأمارة.
(٢) تعليل لقوله: «فلا أصل له» و بيان لوجه الإشكال الذي أورده على الحكومة التي
[١] فرائد الأصول ٣: ٣١٤.