دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٢٢ - في بيان مقتضى القاعدة الأولية
التساقط كحجيتها على الطريقية، و قد أشار إلى حكم هذه الصورة بقوله: «فكذلك» يعني: فكما ذكرناه على الطريقية من سقوطهما في المدلول المطابقي و نفي الثالث بأحدهما، و سيأتي تفصيل الكلام فيها في توضيح العبارة.
و أما الصورة الثانية:- و هي ما إذا كانت الأمارة كحدوث مصلحة أو مفسدة غير منحصرة في خصوص ما لم يعلم كذبه؛ بأن كانت كل أمارة مقتضية لحدوث مصلحة أو مفسدة في المؤدى- ففيها صور ثلاث:
الأولى: أن يكون مدلولا الأمارتين متضادين؛ كما إذا قامت إحداهما على وجوب الإزالة عن المسجد، و الأخرى على وجوب الصلاة مثلا. و حكم هذه الصورة حكم باب التزاحم من التخيير إن لم يكن أحدهما أهم و لو احتمالا.
و الوجه في إجراء حكم التزاحم هنا هو: أن المقتضي للوجوب في كل واحد منهما- و هو قيام الأمارة على طبقه- موجود، و المانع مفقود؛ إذ المانع هو عجز المكلف عن امتثال كلا الخطابين. و هو نظير وجوب إنقاذ الغريقين المؤمنين؛ فإن العجز عن إنقاذهما معا لا يوجب سقوط أصل الخطاب؛ بل يقيد وجوب إنقاذ كل منهما بترك الآخر، و نتيجته التخيير.
الثانية: أن تكون الأمارتان في موضوع واحد، و كان مؤداهما حكمين إلزاميين كدلالة إحداهما على وجوب البقاء على تقليد الميّت و الأخرى على حرمته، فإن جعل الضدين في موضوع واحد يؤول إلى جعل المتناقضين باعتبار الدلالة الالتزامية. و الحكم في هذه الصورة كسابقتها هو التخيير إن لم يكن أحدهما أهمّ من الآخر و لو احتمالا، فإنه يقدم على ما ليس فيه هذا الاحتمال كما هو حكم المتزاحمين في جميع الموارد.
الثالثة: أن تكون الأمارتان في موضوع واحد- كالصورة الثانية- و كان مؤدى إحداهما حكما إلزاميا، و مؤدى الأخرى حكما غير إلزامي؛ كدلالة إحداهما على حرمة ذبيحة الكتابي، و الأخرى على حليتها، و حكم هذه الصورة لزوم الأخذ بالحكم الإلزامي و طرح غيره؛ لعدم المعارضة بين المقتضي و اللامقتضي، فإن الإلزامي ناش من المقتضي، بخلاف غير الإلزامي، فإنه ليس فيه المقتضي؛ إذ يكفي فيه عدم تحقق مقتضى الإلزام.
هذا تمام الكلام في مقتضى القاعدة الأولية على كل من الطريقية و السببيّة في حجية الأمارات. توضيح بعض العبارات.