دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٦٩ - تنبيه الثانى عشر في استصحاب الأمور الاعتقادية
الأول أمر واقعي؛ لأن النبي ممن أنبأه الله تعالى بمعارفه، لا أمر اعتباري.
ثالثها: أن يراد بالنبوة المستصحبة أحكام شرعية يشك في منسوخيتها بشريعة أخرى.
فهذه احتمالات ثلاثة لا بد من ملاحظة كل منها.
فإن أريد بها المعنى الأول، فلا يجري فيها الاستصحاب؛ إما لاختلال ركن الشك في البقاء، و إما لاختلال شرط جريانه أعني: كون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي. أما اختلال الشك: فلأجل أن الشك في بقاء النبوة بمعنى المرتبة القدسية لا بد أن يكون إما لانحطاط نفسه المقدسة أو للموت أو لمجيء نبيّ آخر، و الكل غير معقول.
و أما الأول- و هو الذي اقتصر عليه في المتن-: فلأن الانحطاط إنما يتصور في الملكات الحاصلة للنفس بالتخلق من تحليها بالفضائل بسبب المجاهدة؛ كملكة العدالة و الجود و الإيثار، فيحصل الضعف فيها؛ بل ربما تزول بسبب تسويلات النفس الأمّارة بالسوء، و حيث إن لملكة النبوة درجة التحقق و وصولها من مرتبة القوة و الاستعداد إلى مرتبة الفعلية المستلزمة لمقام الوحي، فانحطاطها معناه العود و الانقلاب إلى القوة المستحيلة عادة.
و أما الثاني: فلأن الموت لا يوجب زوال سائر الملكات الراسخة فضلا عن هذه الملكة الشامخة، كيف؟ و الدنيا مزرعة الآخرة و المعرفة بذر المشاهدة، كيف يعقل زوالها بالموت؟.
و كيف تنقلب النفوس العالية بالموت إلى نفوس سافلة، مع أن الموت لو لم يوجب قوة المشاهدة لم يوجب ضعفها.
و أما الثالث: و هو زوالها بمجيء نبي لا حق و لو كان أكمل فلوضوح أن زيادة كمال شخص لا توجب زوال كمال شخص آخر أو نقصه.
و عليه: فلا يعقل الشك في بقاء النبوة بهذا المعنى حتى يستصحب. هذا كله في اختلال الشك في البقاء.
و أما اختلال شرط الاستصحاب، فلوضوح: أن النبوة بهذا المعنى أمر تكويني لازم لمرتبة كمال النفس، فلو فرض محالا إمكان انحطاط النفس عن تلك المرتبة لا يجري فيها الاستصحاب؛ لعدم كونها مجعولا شرعيا كما هو ظاهر، و لا موضوعا لحكم شرعي مهم، إلّا في نذر شيء له تعالى على تقدير بقاء هذه الصفة الكمالية لذلك النبي و عدم انحطاطها.