دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٧٠ - عدم قيام غير الاستصحاب من الأصول مقام القطع الطريقي
لا يقال (١): إن الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو كان.
فإنه يقال (٢): أما الاحتياط العقلي: فليس إلا نفس حكم العقل بتنجز التكليف
القطع الطريقي المحض؛ بخلاف الأصول فإنها لا طريقية لها، بل أحكام عملية للجاهل بالواقع يعمل على طبقها حين اليأس عن وصول يده إلى الواقع علما أو علميّا، فلو شك في مائع أنه حرام أم لا قالت البراءة العقلية و الشرعية: إن مرتكبه معذور، و لا تعيّن البراءة أنه خمرا و ليس بخمر، بخلاف خبر الواحد فإنه يقول: إنه خمر أو ليس بخمر و الاستصحاب مثل الأمارات لكشفه عن الواقع ناقصا، و لذا يقوم مقام القطع إذ ينزل الشك في البقاء منزلة اليقين بالبقاء في ترتيب ما له من الآثار، فهو واسطة بين الأصول و الأمارات، و لذا يعبر عنه بعرش الأصول و فرش الأمارات، فيقدم على الأصول و يؤخر عن الأمارات، كما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج ٣، ص ٣٢٣» مع تصرف منّا.
(١) و حاصل الإشكال: أن القطع كما أنه مما يتنجز به التكليف فكذلك الاحتياط مما يتنجز به التكليف، فصح القول بقيام الاحتياط مقام القطع، كما صح ذلك في الاستصحاب، فيكون هذا الإشكال ناظرا إلى ما منعه المصنف «(قدس سره)» من قيام غير الاستصحاب مقام القطع، فيقال: إن الاحتياط يقوم مقامه كالاستصحاب؛ إذ كما يتنجز التكليف الواقعي بالقطع به و يستحق العقوبة على مخالفته و المثوبة على موافقته، كذلك يتنجز بإيجاب الاحتياط فيقوم مقامه لفرض اشتراكه معه في أثره المهم و هو التنجيز، غاية الأمر: المراد بالقطع الذي يقوم بعض الأصول مقامه هو خصوص القطع الطريقي. و كلمة كان في قوله: «لو كان» التامة.
(٢) هذا دفع للإشكال. و حاصل الدفع: أن الاحتياط إما عقلي و إما شرعي. و أما توضيح الجواب على الأول فيتوقف على مقدمة، و هي: أنه لا بد في قيام شيء مقام شيء و تنزيل أحدهما منزلة الآخر من لحاظ كل واحد من المنزل و المنزل عليه، و لازم ذلك: هو تعددهما و مغايرة المنزّل و المنزّل عليه، و كذلك لا بد من المغايرة بين المنزّل و بين حكم المنزّل عليه الثابت للمنزل بسبب التنزيل؛ كتنزل «الطواف بالبيت» منزلة «الصلاة»، فإن الطواف مغاير لأحكام الصلاة الثابتة له ببركة التنزيل كمغايرته لنفس الصلاة، و كذا الحال في قيام خبر الثقة مقام القطع في التنجيز مثلا، فإن الخبر غير التنجيز الثابت له بتنزيله منزلة القطع، فلو كان المنزّل نفس حكم المنزّل عليه لم يصح التنزيل.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه لا يصح تنزيل الاحتياط العقلي منزلة القطع؛ إذ ليس الاحتياط العقلي إلّا نفس حكم العقل يتنجز التكليف و صحة العقوبة على المخالفة، و ليس شيئا آخر يقوم مقام القطع في هذا الحكم، فلا مغايرة بين الاحتياط العقلي و بين