دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٠ - دلالة الآيات و الروايات على استحقاق المتجرّي للعقاب
استدل على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله: أنه لولاه مع استحقاق العاصي له يلزم إناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار، من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته و اختياره مع بطلانه و فساده؛ إذ (١) للخصم أن يقول: بأن استحقاق العاصي دونه (٢) إنما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه (٣) و هو (٤) مخالفته عن عمد
على عصيانه. و منافيا لمقتضى العدل و الحكمة.
و «الثالث»: و هو استحقاق من صادف قطعه الواقع للعقاب دون من لم يصادف قطعه الواقع، و هذا أيضا باطل؛ لاستلزامه العقاب بما هو خارج عن القدرة و الاختيار و هو المصادفة، و العقاب بأمر غير اختياري قبيح و مناف لمقتضى العدل، فالمتعين هو الأول و هو: أن كليهما يستحق العقاب، فتعيّن المصير إلى استحقاق كليهما له و هو المقصود.
و حاصل ما أفاده المصنف: أنه لا حاجة- مع حكم الوجدان و الآيات و الروايات باستحقاق المتجري للعقاب- إلى التشبّث بهذا الدليل العقلي الذي هو باطل في نفسه، كما سيأتي بيانه.
(١) تعليل لقوله: «بطلانه و فساده»، و هذا شروع في الجواب عن الدليل العقلي، و قد أجاب عنه بوجهين، أشار إلى أولهما بقوله: «إذ للخصم» و حاصله:- على ما في «منتهى الدراية، ج ٤، ص ٦٤»-: أنه يمكن الالتزام باستحقاق من صادف قطعه الواقع للعقاب دون من لم يصادف، يعني: أن العاصي يستحق العقوبة دون المتجري.
توضيحه: أن سبب استحقاق المؤاخذة مؤلف من أمرين:
أحدهما: قصد المخالفة و الطغيان عن علم و عمد.
و الآخر: مصادفة قطعة للواقع.
و الأول أمر اختياري، و الثاني غير اختياري، و لا ضير في استحقاقه للعقوبة؛ إذ الأمر غير الاختياري الذي يمتنع إناطة استحقاق العقاب به هو ما يكون بتمامه غير اختياري لا جزؤه، فإذا كان السبب مركبا من أمر اختياري و غيره فلا مانع منه، و من المعلوم: أن العلة في المعصية الحقيقية بكلا جزأيها متحققة؛ بخلاف التجري، فإن الجزء الثاني- و هو المصادفة- غير متحقق فيه، و إن كان عدم تحقق فيه خارجا عن اختياره، فلا وجه لاستحقاقه العقاب، و عدم العقاب على أمر غير اختياري- و هو عدم المصادفة للواقع- لا قبح فيه، فهذا الدليل العقلي قاصر عن إثبات استحقاق المتجري للعقاب.
(٢) أي: دون المتجري.
(٣) أي: دون المتجري.
(٤) أي: سبب الاستحقاق مخالفة العاصي عن عمد و اختيار.