دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٣٧
و ثالثا (١): سلمنا أن الظن بالواقع لا يستلزم الظن به؛ لكن قضيته ليس إلا التنزل إلى الظن بأنه مؤدى طريق معتبر؛ لا خصوص الظن بالطريق، و قد عرفت: أن الظن بالواقع لا يكاد ينفك عن الظن بأنه مؤدى الطريق غالبا.
لا يقال: إن النهي الطريق لا ينافي حكم الشارع بفراغ الذمة مع الإصابة، فينافي العقوبة معها؛ إذ الغرض من النهي الطريقي- كالأمر الطريقي- هو حفظ الواقع من دون وجود مفسدة في المنهي عنه توجب استحقاق العقوبة ارتكابه حتى في صورة الإصابة؛ كما هو شأن الموضوعية.
و عليه: فاستحقاق العقوبة في صورة الإصابة كاشف عن عدم كون النهي طريقيا؛ بل موضوعي.
فإنه يقال: العقاب إنما هو لأجل التشريع؛ إذ المفروض: أنه بنى على حجية القياس، و إسناده إلى الشارع، و من المعلوم: حرمة التشريع، فيستحق العقوبة حتى في صورة الإصابة.
(١) هذا هو الوجه الثالث في الجواب عن دليل صاحب الحاشية.
و حاصل الجواب الثالث: أنه سلمنا أن الظن بالواقع مما لا يستلزم الظن بتفريغ الذمة في حكم الشارع؛ و لكن مقتضى ذلك: أن يكون كلا من الظن بأنه مؤدى طريق معتبر إجمالا، و الظن بالطريق حجة قطعا لا خصوص الظن بالطريق فقط، فالدليل المتقدم لا ينتج حجية خصوص الظن بالطريق؛ لأنه بعد بنائه على عدم التصويب و التقييد بل بقاء الواقع على حاله و فعليته: فاللازم هو اعتبار الظن بواقع يظن بكونه مؤدى طريق معتبر.
و على هذا: فلا ينفك الظن بالواقع عن الظن بكونه كذلك، فالظن بالواقع حجة أيضا لا خصوص الظن بالطريق كما تخيله المستدل.
فتلخص: أنه لا دليل على اختصاص نتيجة مقدمات دليل الانسداد بحجية الظن بالطريق؛ إذ كما أن الإتيان بمؤدى طريق ظن نصبه شرعا هو مما يوجب الظن بتفريغ الذمة في حكم الشارع؛ فكذلك الإتيان بما ظن كونه مؤدى طريق معتبر إجمالا، من دون ظن تفصيلي بالطريق الذي قام عليه خارجا هو مما يوجب الظن بتفريغ الذمة في حكمه أيضا. و قد عرفت قبلا: أن الظن بالواقع لا يكاد ينفك عن الظن بكونه مؤدى طريق معتبر إجمالا، و عليه: فلا تبقى ثمرة للنزاع بيننا و بين الخصم أصلا؛ إذ لا يبقى فرق بين الظن بالطريق و الظن بالواقع من حيث حصول الظن بتفريغ الذمة في حكم الشارع.