دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤١٣ - و قد أجاب المصنف عن هذا الوجه الثاني بوجوه ثلاثة
الشارع فيه لكان إرشادا إلى ما استقل به العقل، فالحاكم بفراغ الذمة عند القطع بموافقة الواقع أو الطريق هو العقل لا الشرع، و كذلك الحاكم بوجوب القطع بتحصيل المؤمّن من عقوبة مخالفة التكليف هو العقل أيضا، لا الشرع، و لا ريب في أن القطع به يحصل عنده بموافقة كل من الطريق أو الواقع بما هو واقع لا بما هو معلوم، فالإتيان بالواقع مفرغ للذمة في حال انتفاح باب العلم و الظن بالمؤمّن عن العقوبة يقوم مقام القطع حال الانسداد، فالإتيان بالواقع تعبدا حال الانسداد مفرغ للذمة، فكما أن القطع بإتيان الواقع مؤمّن عن العقاب حال الانفتاح، كذلك الظن بإتيان الواقع مؤمّن من العقاب حال الانسداد، لأن العقل كما يستقل بأن الإتيان بالمكلف به الواقعي بما هو مفرغ للذمة حال الانفتاح، فكذلك يستقل بأن الإتيان بالمكلف به الظاهري الجعلي مفرغ للذمة. هذا تمام الكلام في الجواب الأول.
و أما الجواب الثاني: الذي أشار إليه بقوله: «و ثانيا»- فحاصله: أنه سلمنا أن للشارع في باب الإطاعة حكما مولويا؛ و لكن حكمه بتفريغ الذمة عند الإتيان بمؤدى الطريق المنصوب ليس بدعوى أن نصب الطريق مما يستلزم الحكم بالتفريغ، مع أن الإتيان بالواقع يستلزم حكم العقل بتفريغ الذمة بطريق أولى، و ذلك لكون الواقع أصلا و مؤدى الطريق بدلا عنه و منزلا منزلته، فترتب الحكم بالفراغ على إتيان الواقع أولى من ترتبه على إتيان مؤدى الطريق.
و أما الجواب الثالث: الذي أشار إليه بقوله: «و ثالثا سلمنا»، فحاصله: أنه سلمنا أن الظن بالواقع و إن كان مما لا يستلزم الظن بتفريغ الذمة في حكم الشارع؛ إلا إن مقتضى ذلك: أن يكون كلا من الظن بأنه مؤدى طريق معتبر إجمالا و الظن بالطريق حجة، لا خصوص الظن بالطريق فقط.
إذ كما أن الإتيان بمؤدى طريق ظن نصبه شرعا هو مما يوجب الظن بتفريغ الذمة في حكم الشارع، فكذلك الإتيان بما ظن كونه مؤدى طريق معتبر إجمالا- من دون ظن تفصيلي بالطريق الذي قام عليه خارجا- هو مما يوجب الظن بتفريغ الذمة في حكم الشارع أيضا، و لو لم نعرف ذلك الطريق بعينه، فلو علمنا من الإجماع أو الشهرة أن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مؤدى طريق معتبر ظننا بالفراغ لدى الإتيان بالدعاء، و ذلك لما عرفت سابقا: من «أن الظن بالواقع لا ينفك عن الظن بأنه مؤدى الطريق غالبا».
و عليه: فلا ثمرة للنزاع بيننا و بين الخصم القائل بحجية الظن بالطريق فقط.