دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٦٥ - الوجه الاول
يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله (١)؛ بل ربما يوجب حزازة و منقصة في الفعل؛ بحيث يذم عليه فاعله بلا ضرر عليه أصلا (٢)، كما لا يخفى.
و أما تفويت المصلحة (٣): فلا شبهة في أنه ليس فيه مضرة؛ بل ربما يكون في استيفائها (٤) المضرة؛ كما في الإحسان بالمال، هذا مع منع (٥) كون الأحكام تابعة
(١) فإن الأحكام التحريمية إنما وضعت للأضرار الكامنة فيها، و لا تختص الأضرار بأشخاص الفاعلين، فكثير من الأحكام أضرارها نوعية تعود إلى النوع، و لذا حرمت؛ بل ربما كانت الأحكام الضررية ذات منافع على نفس الفاعل.
فإن في ترك الزكاة و أكل الربا و السرقة منافع مادية للمرتكب.
(٢) لا على فاعله و لا على غيره، فإن الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد و لا دليل على أن المفسدة يجب أن تكون ضررا.
(٣) غرضه: منع الصغرى- أعني: كون الظن بالحكم ملازما للظن بالضرر- مطلقا، سواء كان المظنون الحرمة أم الوجوب. أما الحرمة فقد تقدم الكلام فيها. و أما الوجوب- و هو المقصود بالذكر فعلا- فمحصل ما أفاده في وجهه: أن مخالفة الوجوب المظنون لا توجب إلا الظن بفوات المصلحة، و من المعلوم: أن فوات المصلحة ليس ضررا- أي نقصا- بل عدم نفع، و من الواضح: أن تحصيل النفع غير لازم حتى يجب العمل بالوجوب المظنون.
و قد تحصل من جميع ما ذكرنا في منع صغرى هذا الدليل العقلي: أن الملازمة المدعاة بين الظن بالحكم و الظن بالضرر ممنوعة، سواء كان الحكم المظنون وجوبا أم حرمة، و سواء أريد بالضرر الضرر الدنيوي- أعني المفسدة- أم الأخروي- أعني: العقوبة- و عليه: فلا يكون الظن بالحكم حجة.
و ضمير «فيه» راجع على تفويت المصلحة، و ضمير «أنه» للشأن.
(٤) أي: استيفاء المصلحة، و غرضه: أن فوات المصلحة لا يكون مطلقا ضررا؛ لعدم كونه نقصا، بل قد يكون الضرر في استيفائها كما في استيفاء مصلحة الإحسان بالمال و الجهاد، فإن الأول موقوف على الضرر المالي، و الثاني على الضرر النفسي.
(٥) هذا ثاني الوجهين اللذين ذكرهما في منع الصغرى، بناء على الاحتمال الثاني- أعني: ما إذا أريد بالضرر المذكور فيها المفسدة،- و هذا الوجه ناظر إلى إنكار أصل تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و كان الأولى تقديمه على الوجه الأول المتقدم بقوله: «فلأنها