دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٦ - و حاصل ما أفاده يرجع إلى وجهين
و بالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى و البعد عنه، سبب لاختلافها في استحقاق الجنّة و درجاتها و النار و دركاتها، و موجب لتفاوتها في نيل الشفاعة و عدم نيلها، و تفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيا، و الذاتي لا يعلل.
و إن قلت: على هذا (١) فلا فائدة في بعث الرسل و إنزال الكتب و الوعظ و الإنذار.
قلت: ذلك (٢) لينتفع به من حسن سريرته و طابت طينته لتكمل به نفسه، و يخلص مع ربه أنسه، ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، قال الله «تبارك و تعالى»:
بإرادة الفاعل و اختياره؛ لما في نفسه من القيومية و القدرة على الفعل و الترك، فهذه الإرادة من أفعال النفس، و قائمة بها نحو قيام صدوري، فإن الله «تعالى شأنه» خلقها مختارة فيما تشاء من فعل شيء أو تركه، و ليس المراد بالإرادة هنا هو الشوق المؤكد التي هي صفة نفسانية قائمة بها قياما حلوليا و خارجة عن الاختيار و منتهية إلى الشقاوة الذاتية.
و الحاصل: أن مناط اختيارية الفعل هو صدوره عن إرادة ناشئة من قيومية النفس التي هي بحسب خلقتها قادرة على الفعل و الترك، و متعلق التكاليف هو: الفعل الصادر عن هذه الإرادة؛ لا الإرادة المنتهية إلى الشقاوة الذاتية كما ذكره المصنف «(قدس سره)» و أوقع نفسه الشريفة في حيص و بيص، هذا.
مضافا إلى: «إن الإرادة المتوقفة على مباديها لا توجب خروج النفس عن قدرتها على كل من الفعل و الترك؛ بحيث يصدر الفعل قهرا كصدور الإحراق من النار، بل قيومية النفس باقية أيضا، غايته: أن هذه الإرادة تكون مرجحة للفعل على الترك، فتختاره النفس لأجلها على الترك، و قد لا تكون مرجحة له فلا تختاره، فهذه الإرادة- بعد تسليم كونها مرادة هنا- لا تسلب قدرة النفس و فاعليتها كما هو ظاهر».
(١) أي: على الذي ذكرتم من أن الكفر و العصيان و الإطاعة و الإيمان من تبعات الذات، «فلا فائدة في بعث الرسل ...» الخ؛ إذ المؤمن و المطيع يؤمن بنفسه و يطيع، كما أن النار تحرق بنفسها من غير حاجة إلى الإرشاد.
و بعبارة أخرى: يكون بعث الرسل و إنزال الكتب لغوا؛ إذ المفروض: ذاتية الخبث و الشقاوة، و الذاتي لا يزول و لا ينفك عن الذات، فلا يؤثر إرسال الرسل في ارتفاع الذاتي.
(٢) أي: ما ذكر من بعث الرسل و إنزال الكتب لا يكون لغوا، بل تترتب عليه فائدتان: إحداهما: انتفاع من حسنت سريرته به، لتكمل به نفسه.
ثانيتهما: إتمام الحجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل؛ بل كان له الحجة البالغة؛ كما أشار إليه بقوله: «و ليكون حجة على