دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣١٥ - في آية الأذن
المراد (١) من التصديق في قوله «(عليه السلام)»: «فصدّقه و كذبهم»، حيث قال- على ما في الخبر- «يا محمد كذّب سمعك و بصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة (٢) أنه قال قولا، و قال: لم أقله، فصدقه و كذبهم»، فيكون مراده تصديقه بما ينفعه و لا يضرهم، و تكذيبهم فيما يضره و لا ينفعهم، و إلا (٣) فكيف يحكم بتصديق
للقبول و عدم مبادرته لتكذيبه، و هو معنى التصديق الصوري الظاهري، فيكون المراد من تصديقه بالله: هو التصديق الحقيقي، و من تصديقه «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» للمؤمنين هو التصديق الظاهري، و ربما يشهد بتغاير معنى الإيمان في الموضعين: تعديته في الأول:
بالباء، و في الثاني: باللام.
و كيف كان؛ فبعد ملاحظة هذه القرائن و غيرها لا يبقى مجال لتوهم إرادة التصديق المطلوب في باب حجية الخبر، و هو التصديق الحقيقي بمعنى: ترتيب جميع آثار الصدق على المخبر به تعبدا من قوله تعالى: وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فلا تدل هذه الآية أيضا على حجية خبر الواحد.
(١) أي: ترتيب خصوص الآثار النافعة دون الضارة هو المراد من التصديق في قوله:
«فصدّقه و كذّبهم».
(٢) القسامة: هو عدلان، فخمسون قسام مائة عادل، و في بعض الكتب: إن القسامة هم الجماعة الذين يحلفون خمسين حلفا على الدم في باب القتيل المجهول، بمعنى: إذا اجتمعت جماعة من أولياء القتيل، فادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، و معهم دليل دون البينة، فحلفوا خمسين يمينا أن المدعى عليه قتل صاحبهم، فهؤلاء الذين يقسمون على دعواهم يسمّون قسامة.
و كيف كان؛ فمعنى الرواية: أنه إن شهد عندك خمسون رجلا، مع حلفهم بالله أن مؤمنا فعل كذا أو قال كذا، و قال لك ذلك المؤمن إني لم أفعله أو لم اقله «فصدّقه»، أي:
ترتب على قوله ما يوجب نفعه، و قل له: إنك ما فعلت أو ما قلت بما شهد خمسون قسامة عليه و تعتبر هذه الشهادة منهم كأنها لم تكن، و هذا المعنى ينفعه و لا يضرهم، و يكون مراد الإمام «(عليه السلام)» من قوله: «و كذبهم» هو تكذيبهم فيما يضره أي: لا ترتب على شهادتهم أثرا بالنسبة إلى ذلك الأخ.
فالحاصل: إنه ليس المراد من تصديق الأخ هو: التصديق الحقيقي، كما إنه ليس المراد من تكذيب القسامة هو: التكذيب الحقيقي؛ لئلا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح.
(٣) أي: و إن لم يكن المراد بالتصديق في الآية الشريفة ترتيب خصوص الآثار النافعة