دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٩٩ - تقريب الاستدلال بآية النفر على حجية خبر الواحد
بها، و قضيته (١) إنما هو وجوب الحذر عند إحراز أن الإنذار بها (٢) كما لا يخفى.
ثم أنه أشكل (٣) أيضا: بأن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقا، فلا
الثاني، و ضمير «بها» راجع إلى معالم الدين.
(١) أي: و مقتضى كون وجوب النفر لأجل التفقه في الدين أنه لا بد من إحراز أن الإنذار كان بما تفقهوا فيه من معالم الدين حتى يجب التحذر، و ليس هذا إلا اشتراط وجوب التحذر بحصول العلم بأن الإنذار إنذار بمعالم الدين.
(٢) خبر «أن الإنذار»، و ضميره راجع إلى معالم الدين.
(٣) هذا إشكال على أصل الاستدلال بالآية بتقاريبها الثلاثة.
و توضيحه، يتوقف على مقدمة و هي: الفرق بين الإنذار و الإخبار، و حاصله: أن الإنذار عبارة عن الإخبار المشتمل على التخويف، المتوقف على فهم معنى للكلام؛ كي يخوف به، فالإنذار هو الإبلاغ مع التخويف كما في صحاح اللغة [١]. هذا بخلاف الإخبار و الحكاية من الراوي، فإنه عبارة عن نقل الرواية إلى غيره، من دون إنذار و تخويف.
ثم الإبلاغ مع التخويف يرجع إلى الاجتهاد و الاستنباط؛ إذ لو لم يفهم من الخبر حكما تحريميا أو وجوبيا لم يخوف عليه، فيختص بالمجتهد و الواعظ، حيث صح أن يقال على وجه الافتاء أو الإرشاد: «يا أيها الناس اتقوا الله في شر الخمر، فإنه محرم يوجب استحقاق العقاب»، أو يقال: «من لم يصلّ كان جزاؤه جهنم».
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الآية المباركة لا تصلح لإثبات حجية الخبر من حيث كونه خبرا، و إن سلمنا وجوب التحذر مطلقا، و إن لم يفد الإنذار علم المنذر- بالفتح- بصدق المنذر بالكسر- و ذلك لأن شأن الراوي نقل الرواية إلى غيره، من دون إنذار و تخويف، و الآية إنما تثبت حجية الخبر فيما إذا كان مع التخويف.
و من المعلوم: أن التوعيد و التخويف شأن الواعظ الذي وظيفته الإرشاد، و شأن المجتهد بالنسبة إلى العوام، فالآية لا تدل على اعتبار الخبر بما هو خبر؛ بل تدل على اعتباره بما هو إنذار.
فالأولى: الاستدلال بها على اعتبار الفتوى و الوعظ و الإرشاد، فالتخوف و التحذر يجب على المقلدين عقيب الإفتاء من المجتهدين، و على المتعظين و المسترشدين عقيب الوعظ و الإرشاد.
[١] انظر: الصحاح ٢: ٨٢٥- نذر، الفروق اللغوية: ٧٨/ ٣١٠، لسان العرب ٥: ٢٠٣- نذر، مختار الصحاح: ٣٣٥- نذر.