تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢١٠ - النقطة الثانية
فيؤسسوا بذلك دولة المؤمنين المتقين الدين لا خوف عليهم و لا هم يحزبون.
حين يعلم (عليه السلام) بذلك .. يعرف ان عليه جهدا مضاعفا و نشاطا متزايدا في التمهيد لغيبة ولده. و السبب في ذلك: ان البشر- بشكل عام- مربوطون في مدركاتهم بالحس و العادة التي يعيشونها و في حدود الزمان و المكان .. و من الصعب على الشخص الاعتيادي ان ينظر نظرا معمقا تجريديا أسمى من هذه الحدود، ما لم يطلع الفرد على البرهان الصحيح المدعم بالايمان الراسخ القائل: بأن الكون أوسع من العالم المنظور و من حدود الزمان و المكان .. و ان في عالم الوجود قوى كبرى و ارادات واسعة، تستقي تدبيرها و ادارة شئونها من الارادة الازلية و الحكمة اللانهائية .. من اللّه تعالى.
و الانسان كلما سما روحيا و تعمق فكريا، استطاع استجلاء هذه الحقيقة الكبرى أكثر، كما انه كلما تسافل روحيا و أخلد إلى الأرض و اتبع هواه و تغافل عن صوت عقله .. كلما كان ابعد من ذلك، و أكثر انشدادا إلى حسه و عادته.
و لم يكن المجتمع الذي يعيشه الامام (عليه السلام) .. لم يكن- بشكل عام- إلا متكونا من الانسان المتسافل روحيا المشدود إلى مصالحه و خدمة ذاته و انحرافه بعيدا عن عمق الايمان و عن سمو الروح و دقة الفكر.
لا يختلف في ذلك الحاكم عن المحكوم و المولى عن العبد. و لعل فيما استعرضناه في الفصل الأول من التاريخ العام لهذا العصر ما يعطي فكرة واضحة عن ذلك.