تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٦ - الوجه الثالث
عواطف و غرائز و عقائد و مسبقات ذهنية و عادات حياتية. و لا يمثل العقل و الفكر منه الا بعضها من هذا المزيج، و المؤرخ و ان كان يتخيل و يفترض أنه يكتب تاريخه بعقله و فكره، الا أن هذا واضح البطلان، و انما هو يكتب تاريخه بمجموع عواطفه و سائر مرتكزاته، و بخاصة في الحوادث التاريخية التي تقترن بخلاف بين جماعتين، أو بعواطف معينة.
الوجه الثالث:
ان هناك نحوين من الملاحظة، بحسب الاصطلاح العلمي- أولهما:
طريقة الملاحظة المنظمة التي يتعمد الباحث فيها النظر و يتقصى الحقائق حول حادثة معينة أو عدة حوادث حين وقوعها. ثانيهما:
الملاحظة المشوشة غير القائمة على التنظيم و التعمد، كالتاجر يذهب إلى بلد معين ليستورد منها البضاعة، أو السائح يذهب إليه ليشاهده، و حين يعود، يسأل عن ذلك البلد، و عن حقائقة و وقائعه، في حين انه قد شاهدها صدفة و أحس بها احساسا عشوائيا، و لم يتعمد فهمها، و لا التفكير فيها على وجه الخصوص.
و التاريخ مدون عادة بالنحو الثاني من الملاحظة. لأن الأشخاص الذين كانوا يعيشون تلك الأزمنة، إنما عاشوها بصفتها حياة عادية، لا يعيدون فيها النظر و لا يتعمقون في أسبابها و نتائجها. ثم يأتي الراوي منهم الى المؤرخ ليعطي له ما علق في ذهنه من هذا الخضم الزاخر الذي عاشه في حياته، مما قد مر أمامه مرورا عابرا.