الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٨ - * بيان
و التفكّر يتمّ بالصمت، أو الدليل بمعنى العلامة، فإنّ علامة كون الإنسان عاقلا كونه دائم التفكّر في خلق اللّه، و علامة التفكّر الصمت.
«مطيّة» حامل يركب عليه في حركته إلى غايته التي خلق لها، فإنّ المطيّة الناقة التي يركب مطاها أي ظهرها. و «مطيّة العقل التواضع» أي التذلّل و الانقياد للأوامر و النواهي و الغناء عن النفس، ليعقلوا عن اللّه، و ليكتسبوا العلوم الدينية عن اللّه سبحانه بواسطة متابعة الأنبياء و الرسل الذين هم أولو العقول الكاملة، فيهتدوا إلى الحقّ و يتوافقوا عليه، و لا يتّكلوا على عقولهم الجزئية الناقصة المتباينة، فيضلّوا و يختلفوا.
«فأحسنهم استجابة» لقبول الدعوة و انقياد الرسالة «أحسنهم معرفة» باللّه و آياته و كلماته «و أعلمهم بأمر اللّه» بأحكامه و شرائعه أو بأفعاله سبحانه. «أحسنهم عقلا» لأنّ حسن العقل إنّما يكون بالعلم و العمل، و قبول العمل إنّما يكون بإصابة السنّة، و هي إنّما تكون بالعلم بالسنّة، و هو العلم بأمر اللّه بالمعنى الأول، أو نقول: إنّ حسن العقل إنّما يكون بتعلّم الحكمة، و هي العلم بأفعال اللّه تعالى على ما هي عليه، و هو العلم بأمر اللّه بالمعنى الثاني.
«بطول أمله» فإنّ طول الأمل في الدنيا يمنع التفكّر في الامور الإلهية النوريّة، لأنه يحمل النفس على التفكّر في الامور العاجلة و تحصيل أسبابها الظلمانية، فمن بدّل تفكّره في الأنوار الأخروية و الباقيات الصالحات بتفكّره في الظلمات الدنيوية الناشئة عن طول أمله و حبّه للفانيات، فقد أظلم نور تفكّره بطول أمله.
«بفضول كلامه» لأنّ للكلام حلاوة و لذّة و سكرا يشغل النفس عن جهة الباطل، و يجعل همّها مصروفا إلى تحسين العبارات و تحريك القلوب بالنّكات و الإشارات، فيمحو به طرائف الحكمة عن قلبه.
«بشهوات نفسه» لأن حبّ الشيء يعمي و يصمّ عن إدراك غيره، فحبّ الشهوات يعمي القلب و يذهب بنور عبرته* «كيف يزكو» يظهر و يخلص و ينمو.
«و أنت قد شغلت» بالامور الثلاثة المذكورة في الخطاب المتقدّم أو ببعضها.
«فمن عقل عن اللّه» بلغ عقله إلى حدّ يأخذ العلم عن اللّه من غير تعليم بشر في كلّ أمر أمر «اعتزل أهل الدنيا» إذ لم يبق له رغبة في الدنيا و أهلها، و إنّما يرغب في ما عند اللّه من الخيرات الحقيقية و الأنوار الإلهيّة و الإشراقات العقلية و الابتهاجات
[١]*. بصيرته. خ ل.