الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨ - * منع تدوين الحديث
حتّى آخر لحظات حياته حين أمر بدواة و قلم ليكتب ما لن يضلّ الناس بعده، إذ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ادعوا لي الصحيفة و الدواة أكتب كتابا لن تضلّوا بعده أبدا» [١]. و هذا في الحقيقة إذن عام لكتابة الحديث. فيتّضح من النماذج التي ذكرنا أنّ تدوين الحديث كان متداولا في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
* منع تدوين الحديث
كذلك يستنتج من بعض الروايات أنّ الهمس بمنع كتابة الأحاديث تصاعد في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أيضا، فكان بعض الصحابة يمنع آخرين من كتابة الحديث، كما كانت قريش تمنع عبد اللّه بن عمر من تدوين أقوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و لعلّ أبرز مثال لمنع كتابة أحاديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو ما حدث عند وفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من جانب عمر بن الخطاب الذي منع جلب القلم و الدواة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) [٢]. أمّا أوّل من منع كتابة الحديث و نقله و نهى عنهما بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فهو أبو بكر الذي قام بحرق خمسمائة حديث سمعها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمر الآخرين بأن يفعلوا مثل ذلك [٣].
بيد أنّ تدوين الحديث و كتابته استمرّا رغم كلّ هذا المنع و المحاولات بل و حتّى في زمن عمر بن الخطاب الذي أصرّ على حرق كتب الحديث و قام بسجن بعض رواة الحديث من أمثال ابن مسعود و أبي الدرداء و أبي مسعود الأنصاري لنقلهم الأحاديث [٤]. لكن ذلك لم يمنع الرواة و المحدّثين و صحابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) العظام فواصلوا نقل الحديث لأنّهم كانوا يعتبرون منع تدوين الحديث من قبل أبي بكر و عمر و جماعة من الصحابة اجتهادا مقابل النصّ الصريح للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و كانوا يرون الروايات التي تذرّع بها أبو بكر و عمر لمنع تدوين الحديث روايات ضعيفة و مردودة لأنّها كانت من اسرائيليات كعب الأحبار اليهودي و تميم الداري و أبي
[١]. صحيح البخاري ٤: ٧، كنز العمال ٣: ١٣٨، و ٤: ٥٢.
[٢]. مسند أحمد بن حنبل ٢: ١٦٢، مستدرك الحاكم ١: ١٠٥.
[٣]. كنز العمال ١: ١٧٤.
[٤]. تذكرة الحفّاظ ١: ٧.