الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧ - ١٢٦٩- ردّ النظام على أصحاب الأعراض
فإن زعموا أن الفخار ليس ذلك التّراب، و ذلك الماء، و تلك النار، و قالوا مثل ذلك في جميع الأخبصة[١]و الأنبذة، كان آخر قياسهم أن يجيبوا بجواب أبي الجهجاه؛ فإنه زعم أن القائم غير القاعد، و العجين غير الدقيق. و زعم-و لو أنه لم يقل ذلك-أن الحبّة متى فلقت فقد بطل الصحيح، و حدث جسمان في هيئة نصفي الحبّة. و كذلك إذا فلقت بأربع فلق، إلى أن تصير سويقا، ثم تصير دقيقا، ثم تصير عجينا، ثم تصير خبزا، ثم تعود رجيعا و زبلا، ثم تعود ريحانا و بقلا، ثم يعود الرجيع أيضا لبنا و زبدا؛ لأن الجلاّلة[٢]من البهائم تأكله، فيعود لحما و دما.
و قال: فليس القول إلا ما قال أصحاب الكمون، أو قول هذا.
١٢٦٩-[ردّ النظام على أصحاب الأعراض]
قال أبو إسحاق: فإن اعترض علينا معترض من أصحاب الأعراض فزعم أن النار لم تكن كامنة، و كيف تكمن فيه و هي أعظم منه؟و لكنّ العود إذا احتكّ بالعود حمي العودان، و حمي من الهواء المحيط بهما الجزء الذي بينهما، ثم الذي يلي ذلك منهما، فإذا احتدم رقّ، ثم جفّ و التهب. فإنما النار هواء استحال.
و الهواء في أصل جوهره حارّ رقيق، و هو جسم رقيق، و هو جسم خوّار، جيّد القبول، سريع الانقلاب.
و النار التي تراها أكثر من الحطب، إنما هي ذلك الهواء المستحيل، و انطفاؤها بطلان تلك الأعراض الحادثة من النارية فيه. فالهواء سريع الاستحالة إلى النار، سريع الرجوع إلى طبعه الأول. و ليس أنها إذا عدمت فقد انقطعت إلى شكل لها علويّ و اتصلت، و صارت إلى تلادها[٣]، و لا أنّ أجزاءها أيضا تفرقت في الهواء، و لا أنها كانت كامنة في الحطب، متداخلة منقبضة فيه، فلما ظهرت انبسطت و انتشرت.
و إنما اللهب هواء استحال نارا؛ لأن الهواء قريب القرابة من النار، و الماء هو حجاز بينهما، لأنّ النار يابسة حارة، و الماء رطب بارد، و الهواء حارّ رطب، فهو يشبه الماء من جهة الرطوبة و الصفاء، و يشبه النار بالحرارة و الخفة فهو يخالفهما و يوافقهما؛ فلذلك جاز أن ينقلب إليهما انقلابا سريعا، كما ينعصر الهواء إذا استحال رطبا [١]الأخبصة: حلوى تصنع من التمر و السمن.
[٢]الجلاّلة: البقرة تتبّع النجاسات، و الجلّة: البعر.
[٣]أصل التلاد: المال القديم الأصلي، و هو يريد القول: رجعت إلى معدنها و أصلها الأول.