الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٩ - ١٢٧٧- تخطئة من زعم أن الحرارة تورث اليبس
و أحداق عيونهم، و ألوان شعورهم، سبيل الاعتدال-لا تكون عقولهم و قرائحهم إلا على حسب ذلك. و على حسب ذلك تكون أخلاقهم و آدابهم، و شمائلهم، و تصرّف هممهم في لؤمهم و كرمهم، لاختلاف السّبك و طبقات الطبخ. و تفاوت ما بين الفطير و الخمير[١]، و المقصّر و المجاوز-و موضع العقل عضو من الأعضاء، و جزء من تلك الأجزاء-كالتفاوت الذي بين الصّقالبة و الزّنج[٢].
و كذلك القول في الصور و مواضع الأعضاء. أ لا ترى أن أهل الصين و التّبّت، حذّاق الصناعات، لها فيها الرّفق و الحذق، و لطف المداخل، و الاتساع في ذلك، و الغوص على غامضه و بعيده. و ليس عندهم إلا ذلك؛ فقد يفتح لقوم في باب الصناعات و لا يفتح لهم في سوى ذلك.
١٢٧٧-[تخطئة من زعم أن الحرارة تورث اليبس]
قال: و كان يخطّئهم في قولهم: إن الحرارة تورث اليبس، لأن الحرارة إنما ينبغي أن تورث السخونة، و تولّد ما يشاكلها. و لا تولد ضربا آخر مما ليس منها في شيء. و لو جاز أن تولّد من الأجناس التي تخالفها شكلا واحدا لم يكن ذلك الخلاف بأحقّ من خلاف آخر. إلا أن يذهبوا إلى سبيل المجاز: فقد يقول الرجل: إنما رأيتك لأني التفتّ. و هو إنما رآه لطبع في البصر الدرّاك[٣]، عند ذلك الالتفات.
و كذلك يقول: قد نجد النار تداخل ماء القمقم[٤]بالإيقاد من تحته، فإذا صارت النار في الماء لابسته، و اتصلت بما فيه من الحرارات، و النار صعّادة- فيحدث عند ذلك للماء غليان؛ لحركة النار التي قد صارت في أضعافه. و حركتها تصعّد. فإذا ترفّعت أجزاء النار رفعت معها لطائف من تلك الرّطوبات التي قد لابستها؛ فإذا دام ذلك الإيقاد من النار الداخلة على الماء، صعدت أجزاء الرطوبات -و أما من أنضجتهم الأرحام فهم سكان الأقاليم الثالث و الرابع و الخامس، و أما من جاوزت أرحامهم حد الإنضاج فهم سكان الإقليمين الأول و الثاني، و هم الزنوج، انظر ما تقدم ٣/١١٩، و مقدمة ابن خلدون ٧٣.
[١]الفطير: ما يختبز من ساعته قبل أن يختمر، و الخمير: ما ترك حتى اختمر.
[٢]جعل الصقالبة و الزنج متضادات، أي أن الصقالبة لم تنضجهم الأرحام، أما الزنج فقد زادت الأرحام في إنضاجهم.
[٣]الدرّاك: المدرك.
[٤]القمقم: ضرب من الأواني، و هو من نحاس و غيره، يسخن فيه الماء؛ و يكون ضيق الرأس.