الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٥ - ١٢٨٠- نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة
و أن الحرّ و البرد، و اللون و الطعم و الصوت و الرائحة، إنما هي نتائج على قدر امتزاجهما[١].
فقيل لهم: وجدنا الحبر إذا اختلط باللبن صار جسما أغبر، و إذا خلطت الصّبر[٢]بالعسل صار جسما مرّ الطعم على حساب ما زدنا. و كذلك نجد جميع المركبات. فما لنا إذا مزجنا بين شيئين من ذوات المناظر، خرجنا إلى ذوات الملامس، و إلى ذوات المذاقة و المشمّة؟! و هذا نفسه داخل على من زعم أن الأشياء كلها تولدت من تلك الأشياء الأربعة[٣]، التي هي نصيب حاسة واحدة[٤].
١٢٨٠-[نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة]
و قال أبو إسحاق: إن زعم قوم أن هاهنا جنسا هو روح، و هو ركن خامس-لم نخالفهم.
و إن زعموا أن الأشياء يحدث لها جنس إذا امتزجت بضرب من المزاج، فكيف صار المزاج يحدث لها جنسا و كلّ واحد منه إذا انفرد لم يكن ذا جنس، و كان مفسدا للجسم، و إن فصل عنها أفسد جنسها؟!و هل حكم قليل ذلك إلا كحكم كثيره؟و لم لا يجوز أن يجمع بين ضياء و ضياء فيحدث لهما منع الإدراك؟!.
فإن اعتلّ القوم بالزاج[٥]و العفص[٦]و الماء، و قالوا: قد نجد كلّ واحد من هذه الثلاثة ليس بأسود، و إذا اختلطت صارت جسما واحدا أشدّ سوادا من الليل، و من السّبج[٧]، و من الغراب-قال أبو إسحاق: بيني و بينكم في ذلك فرق. أنا أزعم أن السواد قد يكون كامنا و يكون ممنوع المنظرة، فإذا زال مانعه ظهر، كما أقول في [١]أي الضياء و الظلام.
[٢]الصّبر: عصارة شجر مر، و نبات الصّبر كنبات السوسن الأخضر، غير أن ورق الصبر أطول و أعرض و أثخن كثيرا، و هو كثير الماء جدا.
[٣]المراد بالأشياء الأربعة: الأرض و الهواء، و الماء، و النار، أو: الحر و البرد؛ و اليبس و البلة، انظر الفقرة (١٢٧٨) ، ص ٢١.
[٤]هي حاسة اللمس، انظر الفقرة (١٢٧٨) السطر السادس فيها.
[٥]الزاج: يقال له: الشب اليماني، و هو من الأدوية، و هو من أخلاط الحبر، فارسي معرب.
[٦]العفص: شجر و ثمر معروف بهذا الاسم، يتخذ منه الحبر.
[٧]السبح: الخرز الأسود.