الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٤ - ١٣٠٦- استطراد لغوي
الماعون بأتاويّين، يعني واحدا أتى من هاهنا، و آخر أتى من هاهنا. كأنهم جماعة التقوا من غير تعريف بنسب و لا بلد.
و إذا تجمعوا أفذاذا[١]لم يكمل كلّ واحد منهم خصال المحلاّت.
قال أبو النجم[٢]: [من الرجز]
يضعن بالفقر أتاويّات # معترضات غير عرضيّات[٣]
و قالت امرأة من الكفار، و هي تحرّض الأوس و الخزرج، حين نزل فيهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و على آله و صحبه: [من المتقارب]
أطعتم أتاويّ من غيركم # فلا من مراد و لا مذحج
و لم ترد أنهما أشرف من قريش، و من الحيّين كعب و عامر، و لكنها أرادت أن تؤلّب و تذكي العصبيّة.
و قالوا: لا تبتنى المدن إلا على الماء و الكلإ و المحتطب. فدخلت النار في المحتطب؛ إذ كان كلّ عود يوري.
و أما الوجه الآخر[٤]من الامتنان بها، فكقوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا شُوََاظٌ مِنْ نََارٍ وَ نُحََاسٌ فَلاََ تَنْتَصِرََانِ [٥]ثم قال على صلة الكلام: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ [٦]. و ليس يريد أنّ إحراق اللّه عزّ و جلّ العبد بالنار من آلائه و نعمائه.
و لكنه رأى[٧]أن الوعيد الصادق إذا كان في غاية الزجر عما يطغيه و يرديه[٨]فهو من النعم السابغة و الآلاء العظام.
[١]الرجز لأبي النجم في ديوانه ٧٤، و لحميد الأرقط في اللسان (عرض، هيه، أتي) ، و التاج (عرض، صنبع، أتو) ، و التهذيب ١/٤٥٩، ٤٦٣، ١٤/٣٥١، و بلا نسبة في التاج (هيه) ، و الجمهرة ١٣٢١، و شرح المفصل ٤/٦٥-٦٦.
[٢]يضعن: من الوضع، و هو ضرب من العدو فوق الخبب. الأتاويات: الغريبات. معترضات: نشيطات لم يكسلهن السفر. عرضيات: من غير صعوبة.
[٣]البيت لعصماء بنت مروان اليهودي في أنساب الأشراف ٣٧٣، و لامرأة هجت الأنصار في اللسان و التاج (أتى) ، و التهذيب ٢/٣٥٩.
[٤]ثمار القلوب ٤٥٧ (٨٢٤) ، فقرة «نار الشجر» .
[٥]في ثمار القلوب «كقوله للثقلين» .
[٦]٣٥/الرحمن: ٥٥.
[٧]في ثمار القلوب «أراد» .
[٨]يرديه: يهلكه.