الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٠ - ١٣٠٢- حجة للنظام في الكمون
و كذلك الهواء، فيه ظلام الليل و ضياء النهار و ما كان فيه من الأشباح. و الحدقة لا ترى من الضياء العارض في الهواء ما تباعد منها.
١٣٠١-[ألوان الماء]
و الماء يرقّ فيكون له لون، و يكون عمقه مقدارا عدلا فيكون له لون، فإن بعد غوره و أفرط عمقه رأيته أسود.
و كذلك يحكون عن الدّردور[١].
و يزعمون أن عين حوارا ترمى بمثل الزنوج.
فتجد الماء جنسا واحدا، ثم تجد ذلك الجنس أبيض إذا قلّ عمقه، و أخضر إذا كان وسطا، و أسود إذا بعد غوره.
و يختلف منظره على قدر اختلاف إنائه و أرضه، و ما يقابله. فدلّ ذلك على أنه ليس بذي لون، و إنما يعتريه في التخييل لون ما يقابله و يحيط به. و لعلّ هذه الأمور إذا تقابلت أن تصنع في العين أمورا، فيظنّ الإنسان مع قرب المجاورة و الالتباس، أن هذه الألوان المختلفة إنما هي لهذا الماء الرائق الخالص، الذي لم ينقلب في نفسه، و لا عرض له ما يقلبه. و كيف يعرض له و يقلبه و عين كل واحد منهما غير عين صاحبه؟و هو يرى الماء أسود كالبحر، متى أخذ منه أحد غرفة رآه كهيئته إذا رآه قليل العمق.
و يتشابهان أيضا لسرعة قبولهما للحر و البرد، و الطّيب و النّتن؛ و الفساد و الصلاح.
١٣٠٢-[حجة للنظام في الكمون]
قال أبو إسحاق: قال اللّه عزّ و جلّ عند ذكر إنعامه على عباده و امتنانه على خلقه، فذكر ما أعانهم به من الماعون: أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنََّارَ اَلَّتِي تُورُونَ. `أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهََا أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْشِؤُنَ [٢]، و كيف قال «شجرتها» و ليس في تلك الشجرة [١]الدّردور: موضع في وسط البحر يجيش ماؤه، لا تكاد تسلم منه السفينة؛ يقال: لجّجوا فوقعوا في الدردور، و الدردور: الماء الذي يدور و يخاف منه الغرق. انظر اللسان «درر» ، و السامي في الأسامي ٣٨٣، و فيه «الدردور: دوامة الماء» .
[٢]٧١/الواقعة: ٧٦. ـ