الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦٠ - ١٣١٦- شبه ما بين النار و الإنسان
قال: فيقول عند ذلك الراعي لرب الماشية، بعد هذا الشرط: «ليس لك أن تذكر أمّي بخير و لا شرّ و لك حذفة[١]بالعصا عند غضبك، أخطأت أو أصبت، و لي مقعدي من النار و موضع يدي من الحارّ[و القارّ][٢]»
١٣١٦-[شبه ما بين النار و الإنسان]
قال: و وصف بعض الأوائل شبه ما بين النار و الإنسان، فجعل ذلك قرابة و مشاكلة، قال: و ليس بين الأرض و بين الإنسان، و لا بين الإنسان، و الماء، و لا بين الهواء و الإنسان، مثل قرابة ما بينه و بين النار؛ لأن الأرض إنما هي أمّ للنبات، [و ليس للماء][٣]إلا أنه مركب. و هو لا يغذو؛ إلاّ ما يعقده الطبخ و ليس للهواء فيه إلا النسيم و المتقلّب. و هذه الأمور و إن كانت زائدة، و كانت النفوس تتلف مع فقد بعضها، فطريق المشاكلة و القرابة غير طريق إدخال المرفق و جرّ المنفعة، و دفع المضرّة.
قال: و إنما قضيت لها بالقرابة، لأني وجدت الإنسان يحيا و يعيش في حيث تحيا النار و تعيش، و تموت و تتلف حيث يموت الإنسان و يتلف.
و قد تدخل نار في بعض المطامير[٤]و الجباب[٥]، و المغارات، و المعادن[٦]، فتجدها متى ماتت هناك علمنا أن الإنسان متى صار في ذلك الموضع مات. و لذلك لا يدخلها أحد ما دامت النار إذا صارت فيها ماتت. و لذلك يعمد أصحاب المعادن و الحفائر إذا هجموا على فتق في بطن الأرض أو مغارة في أعماقها أو أضعافها، قدّموا شمعة في طرفها أو في رأسها نار، فإن ثبتت النار و عاشت دخلوا في طلب الجواهر من الذهب و غير ذلك. و إلا لم يتعرّضوا له. و إنما يكون دخولهم بحياة النار، و امتناعهم بموت النار.
و كذلك إذا وقعوا على رأس الجبّ الذي فيه الطعام، لم يجسروا على النزول [١]الحذفة: الرمية عن جانب.
[٢]زيادة من البيان و اللسان.
[٣]زيادة يقتضيها المعنى.
[٤]المطامير: حفر تحفر في الأرض، توسّع أسافلها، تخبأ فيها الحبوب.
[٥]الجباب: جمع جب، و هو البئر البعيدة القعر، الكثيرة الماء.
[٦]المعادن: جمع معدن، و هو موضع تستخرج منه جواهر الأرض.