الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦٣ - ١٣١٧- قول رئيس المتكلّمين في النفس
المجاري. فعند ذلك ينقطع النفس. و لو لا اعتصامها بهذا السبب لقد كانت انقطعت إلى أصلها من القرص، مع أول حالات الخنق.
و كان يقول: إن لم تكن النفس غمرت بما هيّج عليها من الآفات، و لم تنقطع للطّفر إلى أصلها جاز أن يكون الضياء الساقط على أرض البيت عند سدّ الكوّة أن يكون لم ينقطع إلى أصله. و لكن السدّ هيّج عليه من الظلام القائم في الهواء ما غمره، و قطعه عن أصله. و لا فرق بين هذين.
و كان يعظّم شأن الهواء، و يخبر عن إحاطته بالأمور و دخوله فيها، و تفضّل قوّته عليها.
و كان يزعم أن الذي في الزّقّ[١]من الهواء، لو لم يكن له مجار و منافس، و منع من كل وجهة-لأقلّ الجمل الضخم.
و كان يقول: و ما ظنّك بالرّطل من الحديد أو بالزّبرة[٢]منه، أنه متى أرسل في الماء خرقه، كما يخرق الهواء!قال: و الحديد يسرع إلى الأرض إذا أرسلته في الهواء، بطبعه و قوّته، و لطلبه الأرض المشاكلة له، و دفع الهواء له، و تبرّيه منه، و نفيه له بالمضادة، و اطّراده له بالعداوة.
قال: ثمّ تأخذ تلك الزّبرة[٢]فتبسطها بالمطارق، فتنزل نزولا دون ذلك؛ لأنها كلما اجتمعت فكان الذي يلاقيها من الماء أصغر جرما، كانت أقوى عليه.
و متى ما أشخصت[٣]هذه الزّبرة[٢]المفطوحة المبسوطة المسطوحة، بنتق[٤] الحيطان في مقدار غلظ الإصبع، حمل مثل زنته المرار الكثيرة و ليس إلا لما حصرت تلك الإصبع من الهواء. و كلما كان نتوّ الحيطان أرفع كان للأثقال أحمل، و كان الهواء أشدّ انحصارا.
قال: و لو لا أن ذلك الهواء المحصور متّصل بالهواء المحصور في جرم الحديد، و في جرم الخشب و القار، فرفع بذلك الاتصال السفينة علوّا-لما كان يبلغ من حصر ارتفاع إصبع للهواء ما يحمله البغل.
[١]الزق: وعاء من الجلد ينقل فيه الخمر.
[٢]الزبرة: القطعة من الحديد.
[٣]أشخصت: رفعت.
[٤]النتق: الرفع.