الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١٢ - أجناس الطير التي تألف دور الناس
وَ لَوْ أَنَّ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاََمٌ وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اَللََّهِ [١]. و قال اللّه تعالى: يَعْلَمُونَ ظََاهِراً مِنَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا [٢]. و قال تقدّست أسماؤه: وَ مََا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاََّ هُوَ [٣]. و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ يَخْلُقُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [٤].
و هذا الباب من المعلوم، غير باب علم ما يكون قبل أن يكون؛ لأن باب (كان) قد يعلم بعضه، و باب (يكون) لا سبيل إلى معرفة شيء منه. و المخاطبة وقعت على جميع المتعبّدين، و اشتملت على جميع أصناف الممتحنين، و لم تقع على أهل عصر دون عصر، و لا على أهل بلد دون بلد، و لا على جنس دون جنس، و لا على تابع دون متبوع و لا على آخر دون أوّل.
أجناس الطير التي تألف دور الناس
العصافير، و الخطاطيف، و الزّرازير، و الخفافيش. فبين هذه[و بين الناس][٥] مناسبة و مشاكلة، و إلف و محبّة.
و الخطاطيف تقطع[٦]إليهم و تعزب[٧]عنهم. و العصافير لا تفارقهم. و إن وجدت دارا مبنية لم تسكنها حتى يسكنها إنسان. و متى سكنتها لم تقم فيها إذا خرج منها ذلك الإنسان. فبفراقه تفارق، و بسكناه تسكن، و هذه فضيلة لها على الخطاطيف.
و الحمام لا يقيم معهم في دورهم إلا بعد أن يثبّتوه و يعلّموه، و يرتّبوا حاله و يدرّجوه. و منها ما هو وحشيّ طورانيّ[٨]، و ربما توحّش بعد الأنس و العصافير على خلاف ذلك، فلها بذلك فضيلة على الحمام، و على الخطّاف.
[١]٢٧/لقمان: ٣١.
[٢]٧/الروم: ٣٠.
[٣]٣١/المدثر: ٧٤.
[٤]٨/النحل: ١٦.
[٥]إضافة يقتضيها المعنى.
[٦]تقطع: تنتقل من بلد إلى آخر.
[٧]تعزب: تبعد.
[٨]الطوراني: في معجم البلدان ٤/٢٤ (طرآن) : «قال أبو حاتم: حمام طرآني؛ من طرأ علينا فلان أي طلع، و لم نعرفه، قال: و العامة تقول طوراني و هو خطأ» و فيه أيضا: طرآن: جبل فيه حمام كثير؛ إليه ينسب الحمام الطرآني» .