الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٠ - ١٢٧١- قول النظام في الكمون
فإذا أجاب بذلك أبو إسحاق لم يجد خصمه بدّا من أن يبتدئ مسألة في إفساد القول بالطفرة و التخليف.
و لو لا ما اعترض به أبو إسحاق من الجواب بالطفرة في هذا الموضع، لكان هذا مما يقع في باب الاستدلال على حدوث العالم.
١٢٧١-[قول النظام في الكمون]
و كان أبو إسحاق يزعم أن احتراق الثوب و الحطب و القطن، إنما هو خروج نيرانه منه، و هذا هو تأويل الاحتراق، و ليس أن نارا جاءت من مكان فعملت في الحطب، و لكن النار الكامنة في الحطب لم تكن تقوى على نفي ضدّها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى، و استمدّت منها، قويتا جميعا على نفي ذلك المانع، فلما زال المانع ظهرت. فعند ظهورها تجزّأ الحطب و تجفف و تهافت؛ لمكان عملها فيه.
فإحراقك للشيء إنما هو إخراجك نيرانه منه.
و كان يزعم أن حرارة الشمس، إنما تحرق في هذا العالم بإخراج نيرانها منه.
و هي لا تحرق ما عقد العرض و كثّف تلك النداوة؛ لأن التي عقدت تلك الأجزاء من الحر أجناس لا تحترق، كاللون و الطعم و الرائحة، و الصوت. و الاحتراق إنما هو ظهور النار عند زوال مانعها فقط.
و كان يزعم أن سمّ الأفعى مقيما في بدن الأفعى، ليس يقتل، و أنه متى مازج بدنا لا سمّ فيه لم يقتل و لم يتلف، و إنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادّها. فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السمّ الممنوع على مانعه. فإذا زال المانع تلف البدن. فكان المنهوش عند أبي إسحاق، إنما كان أكثر ما أتلفه السمّ الذي معه.
و كذلك كان يقول في حرّ الحمّام، و الحر الكامن في الإنسان: أنّ الغشي الذي يعتريه في الحمام ليس من الحر القريب، و لكن من الحر الغريب، حرّك الحرّ الكامن في الإنسان، و أمدّه ببعض أجزائه، فلما قوي عند ذلك على مانعه فأزاله، صار ذلك العمل الذي كان يوقعه بالمانع واقعا به. و إنما ذلك كماء حار يحرق اليد، صبّ عليه ماء بارد، فلما دخل عليه الماء البارد صار شغله بالداخل، و صار من وضع يده فيه و وضع يده في شيء قد شغل فيه بغيره. فلما دفع اللّه، عزّ و جلّ، عنه ذلك الجسم