الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٤٤ - ١٤٠٩- شعر أبي الشمقمق في الفأر و السنور
و دعا بالرّحيل ذبّان بيتي # بين مقصوصة إلى طيّاره
و أقام السّنّور في البيت حولا # ما يرى في جوانب البيت فاره
ينغض الرّأس منه من شدّة الجو # ع و عيش فيه أذى و مراره[١]
قلت لمّا رأيته ناكس الرّأ # س كئيبا، في الجوف منه حرارة
ويك صبرا فأنت من خير سنـ # ور رأته عيناي قطّ بحاره
قال: لا صبر لي، و كيف مقامي # ببيوت قفر كجوف الحماره
قلت: سر راشدا إلى بيت جار # مخصب رحله عظيم التّجارة
و إذا العنكبوت تغزل في دنيّ # و حبّي و الكوز و القرقاره[٢]
و أصاب الجحام كلبي فأضحى # بين كلب و كلبة عيّاره[٣]
و قال أيضا: [من الخفيف]
و لقد قلت حين أجحرني البر # د كما تجحر الكلاب ثعاله[٤]
في بييت من الغضارة قفر # ليس فيه إلا النّوى و النّخاله[٥]
عطّلته الجرذان من قلّة الخير # و طار الذّباب نحو زبالة[٦]
هاربات منه إلى كلّ خصب # جيدة لم يرتجين منه بلاله[٧]
و أقام السّنّور فيه بشرّ # يسأل اللّه ذا العلا و الجلاله
أن يرى فأرة، فلم ير شيئا # ناكسا رأسه لطول الملالة
قلت لمّا رأيته ناكس الرأ # س كئيبا يمشي على شرّ حاله
قلت صبرا يا ناز رأس السّنا # نير، و علّلته بحسن مقاله[٨]
قال: لا صبر لي، و كيف مقامي # في قفار كمثل بيد تباله[٩]
[١]ينغض الرأس: يحركه إلى فوق و إلى أسفل.
[٢]الدن: الراقود العظيم، و هو كهيئة الحب. و الحب: الجرة الضخمة. القرقارة: الإناء.
[٣]الجحام: داء يأخذ الكلب في رأسه.
[٤]أجحره: جعله يدخل في جحره. ثعالة: علم للثعلب.
[٥]بييت: تصغير بيت. الغضارة: الطين اللازب الأخضر.
[٦]زبالة: موضع بعد القاع من الكوفة.
[٧]البلالة: الندوة.
[٨]ناز: كلمة فارسية تعني السنور. انظر معجم استينجاس ١٣٧٢.
[٩]بيد: جمع بيداء، و هي الفلاة. تبالة: بلد من أرض تهامة في طريق اليمن.