الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦١ - ١٣١٧- قول رئيس المتكلّمين في النفس
فيه، حتى يرسلوا في ذلك الجبّ قنديلا فيه مصباح أو شيئا يقوم مقام القنديل، فإن مات لم يتعرّضوا له، و حرّكوا في جوفه أكسية[١]و غيرها من أجزاء الهواء.
قال: و ممّا يشبّه النار فيه بالإنسان، أنك ترى للمصباح قبل انطفائه و نفاد دهنه، اضطراما و ضياء ساطعا، و شعاعا طائرا، و حركة سريعة و تنقضا[٢]شديدا، و صوتا متداركا. فعندها يخمد المصباح.
و كذلك الإنسان، له قبل حال الموت، و دوين انقضاء مدّته بأقرب الحالات، حال مطمعة تزيد في القوة على حاله قبل ذلك أضعافا، و هي التي يسمونها «راحة الموت» ، و ليس له بعد تلك الحال لبث.
١٣١٧-[قول رئيس المتكلّمين في النفس]
و كان رئيس من المتكلمين، و أحد الجلّة المتقدمين، يقول في النفس قولا بليغا عجيبا، لو لا شنعته لأظهرت اسمه، و كان يقول: الهواء اسم لكل فتق، و كذلك الحيّز[٣]. و الفتق لا يكون إلا بين الأجرام الغلاظ، و إلا فإنما هو الذي يسميه أصحاب الفلك «اللّجّ» . و إذا هم سألوهم عن خضرة الماء قالوا: هذا لجّ الهواء، و قالوا: لو لا أنك في ذلك المكان لرأيت في اللّجّ الذي فوق ذلك مثل هذه الخضرة. و ليس شيء إلا و هو أرق من كتيفه أو من الأجرام الحاصرة له. و هو اسم لكل متحرّك و متقلّب لكل شيء فيه من الأجرام المركبة. و لا يستقيم أن يكون من جنس النسيم، حتى يكون محصورا، إما بحصر كتيفي كالسفينة لما فيها من الهواء الذي به حملت مثل وزن جرمها الأضعاف الكثيرة، و إما أن يكون محصورا في شيء كهيئة البيضة المشتملة على ما فيها، كالذي يقولون في الفلك الذي هو عندنا: سماء.
قال: و للنسيم الذي هو فيه معنى آخر، و هو الذي يجعله بعض الناس ترويحا عن النفس، يعطيها البرد و الرّقّة و الطّيب، و يدفع النّفس، و يخرج إليه البخار و الغلظ، و الحرارات الفاضلة[٤]، و كلّ ما لا تقوى النّفس على نفيه و اطّراده.
[١]أكسية: جمع كساء.
[٢]التنقض: صوت الفتيلة إذا قاربت الانطفاء.
[٣]الحيز: عند المتكلمين هو الفراغ المتوهّم الذي يشغله شيء ممتد كالجسم، ؛ أو غير ممتد كالجوهر الفرد، انظر التعريفات للجرجاني ٩٩.
[٤]الفاضلة: الزائدة.