الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦٢ - ١٣١٧- قول رئيس المتكلّمين في النفس
قال: و ليس الأمر كذلك. بل أزعم أنّ النفس من جنس النسيم و هذه النفس القائمة في الهواء المحصور، عرض لهذه النفس المتفرّقة في أجرام جميع الحيوان، و هذه الأجزاء التي في هذه الأبدان، هي من النسيم في موضع الشعاع و الأكثاف، و الفروع التي تكون من الأصول.
قال: و ضياء النفس كضياء دخل من كوّة[١]فلما سدّت الكوّة انقطع بالطّفرة إلى عنصره من قرص الشمس و شعاعها المشرق فيها، و لم يقم في البيت مع خلاف شكله من الجروم[٢]. و متى عمّ السّدّ لم تقم النفس في الجرم فوق لا.
و حكم النفس عند السّدّ-إذ كنا لا نجدها بعد ذلك-كحكم الضياء بعد السدّ، إذ كنا لا نجده بعد ذلك.
فالنفس من جنس النسيم، و بفساده تفسد الأبدان، و بصلاحه تصلح. و كان يعتمد على أن الهواء نفسه هو النفس و النسيم، و أن الحرّ و اللدونة و غير ذلك من الخلاف، إنما هو من الفساد العارض.
قيل له: فقد يفسد الماء فتفسد الأجرام من الحيوان بفساده، و يصلح فتصلح بصلاحه، و تمنع الماء و هي تنازع إليه فلا تحلّ[٣]بعد المنازعة إذا تمّ المنع، و توصل بجرم الماء فتقيم في مكانها. فلعل النفس عند بطلانها في جسمها قد انقطعت إلى عنصر الماء بالطّفرة.
و بعد فما علّمك؟لعلّ الخنق هيّج على النفس أضدادا لها كثيرة، غمرتها حتى غرقت فيها، و صارت مغمورة بها.
و كان هذا الرئيس يقول: لو لا أن تحت كلّ شعرة و زغبة مجرى نفس لكان المخنوق يموت مع أوّل حالات الخنق، و لكن النفس قد كان لها اتصال بالنسيم من تلك المجاري على قدر[من][٤]الأقدار، فكان نوطها[٥]جوف الإنسان. فالرّيح و البخار لمّا طلب المنفذ فلم يجده، دار و كثف و قوي؛ فامتدّ له الجلد فسدّ له [١]الكوة: خرق في الحائط.
[٢]الجروم: جمع جرم، و هو الجسد و الجسم.
[٣]تحل: تقيم.
[٤]زيادة يقتضيها المعنى.
[٥]نوطها: متعلقها.