الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٩ - ١٢٧٠- ردّ على منكري كمون النار في الحطب
الذي رأيناه قد ظهر من الحطب، لو كان في الحطب لكان واجبا أن يجده من مسّه كالجمر المتوقد، إذا لم يكن دونه مانع منه. و لو كان هناك مانع لم يكن ذلك المانع إلا البرد؛ لأن اللون و الطعم و الرائحة لا يفاسد الحرّ، و لا يمانعه إلا الذي يضادّه، دون الذي يخالفه و لا يضاده.
فإن زعم زاعم أنه قد كان هناك من أجزاء البرد ما يعادل ذلك الحرّ و يطاوله، و يكافيه و يوازيه؛ فلذلك صرنا إذا مسسنا الحطب لم نجده مؤذيا، و إنما يظهر الحرق و يحرق لزوال البرد، إذا قام في مكانه و ظهر الحرّ وحده فظهر عمله. و لو كان البرد المعادل لذلك الحرّ مقيما في العود على أصل كمونه فيه. لكان ينبغي لمن مسّ الرّماد بيده أن يجده أبرد من الثلج. فإذا كان مسه كمسّ غيره، فقد علمنا أنه ليس هناك من البرد ما يعادل هذا الحرّ الذي يحرق كلّ شيء لقيه.
فإن زعم أنهما خرجا جميعا من العود، فلا يخلو البرد أن يكون أخذ في جهته، فلم وجدنا الحرّ وحده و ليس هو بأحق أن نجده من ضدّه. و إن كان البرد أخذ شمالا، و أخذ الحرّ جنوبا، فقد كان ينبغي أن يجمد و يهلك ما لاقاه، كما أهلك الحر و أحرق و أذاب كلّ ما لاقاه.
قالوا: فلما وجدنا جميع أقسام هذا الباب، علمنا أن النار لم تكن كامنة في الحطب.
قال أبو إسحاق: و الجواب عن ذلك أنا نزعم أن الغالب على العالم السفليّ الماء و الأرض، و هما جميعا باردان، و في أعماقهما و أضعافهما من الحر ما يكون مغمورا و لا يكون غامرا، و يكون مقموعا و لا يكون قامعا؛ لأنه هناك قليل، و القليل ذليل، و الذليل غريب، و الغريب محقور. فلما كان العالم السفلي كذلك، اجتذب ما فيه من قوة البرد و ذلك البرد الذي كان في العود عند زوال مانعه؛ لأن العود مقيم في هذا العالم. ثم لم ينقطع ذلك البرد إلى برد الأرض، الذي هو كالقرص له، إلا بالطّفرة[١]و التخليف[٢]، لا بالمرور على الأماكن و المحاذاة لها و قام برد الماء منه مقام قرص الشمس من الضياء الذي يدخل البيت للخرق الذي يكون فيه، فإذا سدّ فمع السّدّ ينقطع إلى قرصه، و أصل جوهره.
[١]الطفرة: الوثبة.
[٢]التخليف: التّرك.