الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١ - ١٢٧٢- المجاز و التشبيه الأكل
الذي هو مشغول به، صار ذلك الشّغل مصروفا إلى من وضع يده فيه؛ إذ كان لا ينفكّ من عمله.
و كان مع ذلك يزعم أنك لو أطفأت نار الأتّون[١]لم تجد شيئا من الضوء، و وجدت الكثير من الحر؛ لأن الضياء لما لم يكن له في الأرض أصل ينسب إليه، و كان له في العلوّ أصل، كان أولى به.
و في الحقيقة أنهما جميعا قد اتصلا بجوهرهما من العالم العلويّ. و هذا الحر الذي تجده في الأرض، إنما هو الحرّ الكامن الذي زال مانعه.
هكذا كان ينبغي أن يقول. و هو قياسه.
و كان يزعم أنك إن أبصرت مصباحا قائما إلى الصّبح أن الذي رأيته في أول وهلة قد بطل من هذا العالم، و ظفر من الدهن بشيء من وزنه و قدره بلا فضل[٢]، ثم كذلك الثالث و الرابع و التاسع. فأنت إن ظننت أن هذا المصباح ذلك، فليس به، و لكن ذلك المكان لما كان لا يخلو من أقسام متقاربة متشابهة، و لم يكن في الأول شية[٣]و لا علامة، وقع عندك أن المصباح الذي رأيته مع طلوع الفجر، هو الذي رأيته مع غروب الشّفق.
و كان يزعم أن نار المصباح لم تأكل شيئا من الدّهن و لم تشربه، و أن النار لا تأكل و لا تشرب، و لكن الدهن ينقص على قدر ما يخرج منه من الدخان و النار الكامنين، اللذين كانا فيه. و إذا خرج كلّ شيء فهو بطلانه.
باب في المجاز و التشبيه بالأكل
١٢٧٢-[المجاز و التشبيه الأكل]
و قد يقولون ذلك أيضا على المثل، و على الاشتقاق، و على التشبيه.
فإن قلتم: فقد قال اللّه عزّ و جلّ في الكتاب: اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ عَهِدَ إِلَيْنََا أَلاََّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتََّى يَأْتِيَنََا بِقُرْبََانٍ تَأْكُلُهُ اَلنََّارُ [٤]علمنا أن اللّه، عزّ و جلّ، إنما كلمهم بلغتهم.
[١]الأتّون: الموقد.
[٢]الفضل: الزيادة.
[٣]الشية: اللون يخالف معظم اللون.
[٤]١٨٣/آل عمران: ٣.