الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٠٧ - باب في ذكر المنى
و قال: و في الحديث المأثور: «ما عظمت نعمة اللّه على أحد إلاّ عظمت مئونة الناس عليه» .
قال: و قيل لمزبّد: أ يسرّك أن عندك قنّينة شراب؟قال: يا ابن أمّ، من يسرّه دخول النار بالمجاز؟! قال: و قدّموا إلى أبي الحارث جمّيز جام خبيص[١]و قالوا له: أ هذا أطيب أم الفالوذج[٢]؟قال: لا أقضي على غائب! قال: و قال مدينيّ لرجل: أ يسرّك أن هذه الدار لك؟قال: نعم. قال: و ليس إلا نعم فقط؟قال: فما أقول؟قال: تقول: نعم، و أحمّ[٣]سنة!قال: نعم، و أنا أعور.
قال[٤]: و قيل لمزبّد: أ يسرّك أن هذه الجبّة لك؟قال: نعم، و أضرب عشرين سوطا. قال: و لم تقول هذا؟قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.
قال[٥]: و قال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنّى طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب.
يقول: إنه لا يخلو من موت أخ، أو عمّ، أو ابن عمّ، أو صديق، أو حميم و قال المجنون[٦]: [من الطويل]
أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوا # بذي سلم لاجادكنّ ربيع[٧]
و خيماتك اللاتي بمنعرج اللّوى # بلين بلى لم تبلهنّ ربوع
فقدتك من قلب شعاع، فطالما # نهيتك عن هذا و أنت جميع[٨]
فقرّبت لي غير القريب، و أشرفت # مناك ثنايا ما لهنّ طلوع
[١]الجام: إناء من فضة. الخبيص: حلوى تصنع من التمر و السمن.
[٢]الفالوذج: حلوى تصنع من الدقيق و الماء و العسل.
[٣]أحمّ: أصابته الحمى.
[٤]الخبر في عيون الأخبار ١/٢٦٣، و هو برواية مختلفة في محاضرات الأدباء ١/٢١٨ (٢/٢٥٧) .
[٥]الخبر في ربيع الأبرار ٣/١٠٢.
[٦]الأبيات لمجنون ليلى في ديوانه ١٩٠، ١٩٢، و لقيس بن ذريح في ديوانه ١١٤-١١٥، و لجميل ابن معمر في ديوانه ١٢٢.
[٧]الحرجات: جمع حرجة؛ و هي الشجرة بين الأشجار لا تصل إليها الآكلة. ذو سلم: اسم موضع.
[٨]قلب شعاع: متفرق موزع.