الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١٠ - ١٣٤٩- دعوى الإحاطة بالعلم
باب في العصافير
<القول في العصافير و سنقول باسم اللّه و عونه في العصفور بجملة من القول. > و على أنّا قد ذكرنا من شأنه أطرافا و مقطّعات من القول تفرّقن في تضاعيف تلك الأصناف. و إذا طال الكلام و كثرت فنونه، صار الباب القصير من القول في غماره مستهلكا، و في حومته غرقا، فلا بأس أن تكون تلك الفقر مجموعات، و تلك المقطّعات موصولات، و تلك الأطراف مستقصيات مع الباقي من ذكرنا فيه؛ ليكون الباب مجتمعا في مكان واحد. فبالاجتماع تجتمع القوة، و من الأبعاض يلتئم الكلّ، و بالنظام تظهر المحاسن.
١٣٤٩-[دعوى الإحاطة بالعلم]
و لست أدّعي في شيء من هذه الأشكال الإحاطة به، و الجمع لكل شيء فيه.
و من عجز عن نظم الكثير، و عن وضعه في مواضعه-كان عن بلوغ آخره، و عن استخراج كل شيء فيه أعجز. و المتح[١]أهون من الاستنباط[٢]، و الحصد أيسر من الحرث.
و هذا الباب لو ضمّنه على كتابه من هو أكثر مني رواية أضعافا، و أجود مني حفظا بعيدا، و كان أوسع مني علما و أتمّ عزما، و ألطف نظرا و أصدق حسّا، و أغوص على البعيد الغامض، و أفهم للعويص الممتنع، و أكثر خاطرا و أصحّ قريحة، و أقلّ سآمة، و أتمّ عناية، و أحسن عادة مع إفراط الشهوة، و فراغ البال، و بعد الأمل، و قوة الطمع في تمامه، و الانتفاع بثمرته، ثم مدّ له في العمر، و مكّنته المقدرة-لكان قد ادّعى معضلة، و ضمن أمرا معجزا، و قال قولا مرغوبا عنه، متعجّبا منه؛ و لكان لغوا ساقطا، و حارضا بهرجا[٣]؛ و لكان ممن يفضل قوله على فعله، و وعده على مقدار إنجازه؛ لأن الإنسان، و إن أضيف إلى الكمال و عرف بالبراعة، و غمر[٤]العلماء؛ فإنه [١]المتح: جذب الماء بالدلو من رأس البئر.
[٢]الاستنباط: استخراج الماء بحفر الأرض و بحثها.
[٣]الحارض: الفاسد الضعيف. البهرج: الرديء.
[٤]غمر العلماء: علاهم شرفا.