الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٥٦ - ١٤٢٤- مناسبة الهر للإنسان
و قيل لصبي يلعب على بابهم[١]: من أبوك يا غلام؟و كان اسم أبيه كلبا- فقال: وو وو.
و زعم صاحب المنطق، أن كل طائر عريض اللسان، و الإفصاح بحروف الكلام منه أوجد.
و لابن آوى صياح يشبه صياح الصبيان. و كذلك الخنزير. و قد تهيأ للكلب مثل: عف عف، و وو وو، و أشباه ذلك. و تهيّأ للغراب القاف. و قد تهيّأ للهزاردستان -و هو العندليب-ألوان أخر، و قد تهيّأ للببغاء من الحروف أكثر. فإذا صرت إلى السنانير وجدتها قد تهيّأ لها من الحروف العدد الكثير، و متى أحببت أن تعرف ذلك فتسمّع تجاوب السنانير، و توعّد بعضها لبعض في جوف الليل، ثم أحص ما تسمعه و تتبّعه، و توقّف عنده، فإنك ترى من عدد الحروف ما لو كان لها من الحاجات و العقول و الاستطاعات؛ ثمّ ألّفتها لكانت لغة صالحة الموضع، متوسّطة الحال.
١٤٢٣-[العلة في صعوبة بعض اللغات]
و اللغات إنما تشتدّ و تعسر على المتكلم بها؛ على قدر جهله بأماكنها التي وضعت فيها، و على قدر كثرة العدد و قلّته، و على قدر مخارجها، و خفّتها و سلسها، و ثقلها و تعقّدها في أنفسها، كفرق ما بين الزّنجي و الخوزي فإن الرجل يتنخّس[٢]في بيع الزّنج و ابتياعهم شهرا واحدا فيتكلّم بعامّة كلامهم، و يبايع الخوز، و يجاورهم زمانا فلا يتعلّق منهم بطائل.
و الجملة: أنّ من أعون الأسباب على تعلّم اللغة فرط الحاجة إلى ذلك. و على قدر الضرورة إليها في المعاملة يكون البلوغ فيها، و التقصير عنها.
١٤٢٤-[مناسبة الهر للإنسان]
و السنور يناسب الإنسان في أمور[٣]: منها أنه يعطس، و منها أنه يتثاءب، و منها أنه يتمطّى و يغسل وجهه و عينيه بلعابه، و تلطع الهرّة وبر جلد ولدها بعد الكبر، و في الصغر، حتى يصير كأن الدّهان تجري في جلده.
[١]الخبر في البيان ١/٦٤.
[٢]يتنخس: يحترف النّخاسة، و هي بيع الرقيق و العبيد.
[٣]الخبر في ربيع الأبرار ٥/٤٢٧.