الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٣ - ١٢٧٨- قول الدّهرية في أركان العالم
أن يكون بعضها أسرع من بعض، أو يكون بعضها إذا خرج من عالم الهواء، و صار إلى نهاية، إلى حيث لا منفذ-ألاّ يزال فوق الآخر الذي صعد معه، و إن وجد مذهبا لم يقم عليه.
و يدلّ على ذلك أنا نجد الضياء صعّادا، و الصوت صعّادا، و نجد الظلام رابدا[١]، و كذلك البرد و الرّطوبة. فإذا صح أن هذه الأجناس مختلفة، فإذا أخذت في جهة، علمنا أن الجهة لا تخالف بين الأجناس و لا توافق، و أن الذي يوافق بينهما و يخالف اختلاف الأعمال.
و لا يكون القطعان متفقين، إلا بأن يكون سرورهما سواء. و إذا صارا إلى الغاية، صار اتصال كل واحد منهما بصاحبه، كاتصال بعضه ببعض. ثم لا يوجد أبدا، إلا إمّا أعلى، و إما أسفل.
قال أبو إسحاق: فيستدل على أن الضياء أخفّ من الحر بزواله. و قد يذهب ضوء الأتّون، و تبقى سخونته.
قال أبو إسحاق: لأمر ما حصر الهواء في جوف هذا الفلك. و لا بد لكل محصور من أن يكون تقلبه و ضغطه على قدر شدة الحصار. و كذلك الماء إذا اختنق.
قال: و الريح هواء نزل لا غير. فلم قضوا على طبع الهواء في جوهريته باللدونة، و الهواء الذي يكون بقرب الشمس، و الهواء الذي بينهما على خلاف ذلك؟ و لو لا أن قوى البرد غريزية فيه، لما كان مروّحا عن النفوس، و منفّسا عن جميع الحيوان إذا اختنق في أجوافها البخار و الوهج المؤذي، حتى فزعت إليه و استغاثت به، و صارت تجتلب من روحه و برد نسيمه، في وزن ما خرج من البخار الغليظ، و الحرارة المستكنّة.
قال: و قد علموا ما في اليبس من الخصومة و الاختلاف. و قد زعم قوم أن اليبس إنما هو عدم البلّة. قالوا: و على قدر البلة قد تتحول عليه الأسماء. حتى قال خصومهم: فقولوا أيضا إنما نجد الجسم باردا على قدر قلة الحرّ فيه.
و كذلك قالوا في الكلام: إن الهواء إنما يقع عندنا أنه مظلم لفقدان الضياء، [١]الرابد: المقيم.