الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١١ - ١٣٥٠- القول في قوله تعالى
لا يكمل أن يحيط علمه بكلّ ما في جناح بعوضة، أيام الدنيا، و لو استمد بقوة كلّ نظّار حكيم؛ و استعار حفظ كلّ بحّاث واع[١]؛ و كلّ نقّاب في البلاد، و درّاسة للكتب.
و ما أشكّ أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعيّة من العلماء، و عند الخلفاء ما ليس عند الوزراء، و عند الأنبياء ما ليس عند الخلفاء، و عند الملائكة ما ليس عند الأنبياء، و الذي عند اللّه أكثر، و الخلق عن بلوغه أعجز، و إنما علّم اللّه كلّ طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم، و مقدار مصلحتهم.
١٣٥٠-[القول في قوله تعالى: عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا ]
فإن قلت: فقد علّم اللّه عزّ و جلّ آدم الأسماء كلّها[٢]-و لا يجوز تعريف الأسماء بغير المعاني-و قلت: و لو لا حاجة الناس إلى المعاني، و إلى التعاون و الترافد، لما احتاجوا إلى الأسماء. و على أن المعاني تفضل[٣]عن الأسماء، و الحاجات تجوز مقادير السّمات، و تفوت ذرع العلامات[٤]فممّا لا اسم له خاصّ الخاصّ. و الخاصّيّات كلها ليست لها أسماء قائمة.
و كذلك تراكيب الألوان، و الأراييح، و الطعوم، و نتائجها.
و جوابي في ذلك: أن اللّه عزّ و جلّ لم يخبرنا أنه قد كان علّم آدم كلّ شيء يعلمه تعالى، كما لا يجوز أن يقدره على كلّ شيء يقدر عليه.
و إذا كان العبد المحدود الجسم، المحدود القوى، لا يبلغ صفة ربّه الذي اخترعه، و لا صفة خالقه الذي ابتدعه-فمعلوم أنه إنما عنى بقوله: وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا [٥]علم مصلحته في دنياه و آخرته.
و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [٦]. و قال اللّه عزّ و جلّ:
[١]واع: حافظ.
[٢]انظر المزهر ١/٢٨.
[٣]تفضل: تزيد.
[٤]الذرع: الطاقة. العلامات: السمات.
[٥]٣١/البقرة: ٢.
[٦]٧٦/يوسف: ١٢.