الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٩٤ - ١٤٨٨- العنبر و أثره في الطيور و البال
تبطّط[١]من السمّ الذي يرتفع إلى فيه، بمصّته و جذبته من أذناب المحاجم[٢]. حتى عمدوا بعد ذلك إلى شيء من قطن، فحشوا به تلك الأنبوبة، فإذا جذب بمصّته فارتفع إليه من بخار الدّم أجزاء من ذلك السم، تعلقت بالقطن، و لم تنفذ إلى فيه. و القطن ليس مما يدفع قوّة المص. ثم وقعوا بعد ذلك على حشيشة فوجدوا فيها الشفاء!
١٤٨٧-[من أعاجيب العقرب]
و من أعاجيب ما في العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول يموت بعضها عن لسع بعض، ثم لا يموت عن لسعها شيء غير العقارب[٣].
و نجد العقرب تلسع إنسانا فيموت الإنسان، و تلسع آخر فتموت هي. فدلّ ذلك على أنها كما تعطي تأخذ، و أن للناس أيضا سموما عجيبة. و لذلك صار بعضهم إذا عضّ قتل.
و من أعاجيبها أنها تضرب الطست[٤]أو القمقم[٥]فتخرقه. و ربما ضربته فتثبت فيه إبرتها ثم تنصل حتى تبين منها.
١٤٨٨-[العنبر و أثره في الطيور و البال]
و العنبر يقذفه البحر إلى عبريه[٦]، فلا يأكل منه شيء إلا مات، و لا ينقره طائر بمنقار إلا نصل فيه منقاره. فإذا وضع رجليه نصلت[٧]أظفاره. فإن كان قد أكل منه قتله ما أكل. و إن لم يكن أكل فإنه ميت لا محالة، لأنه إذا بقي بغير منقار، و لم يكن للطائر شيء يأكل به مات.
و البحريّون و العطّارون يخبروننا أنهم ربما وجدوا فيه المنقار و الظفر. و إنّ البال[٨]ليأكل منه اليسير فيموت.
[١]تبطط: تشقق.
[٢]المحاجم: جمع محجم، و هي الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة.
[٣]ربيع الأبرار ٥/٤٧٦.
[٤]الطست: إناء من آنية الصفر؛ أي النحاس.
[٥]القمقم: إناء من نحاس و غيره، و يسخن فيه الماء، و يكون ضيق الرأس.
[٦]عبر البحر: شاطئه.
[٧]نصلت: خرجت.
[٨]البال: الحوت العظيم. انظر تفصيل القول فيه في حياة الحيوان ١/١٥٩. ـ