الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢١ - ١٢٧٨- قول الدّهرية في أركان العالم
فهو عمل الحرارات[١]إذا كانت في أجواف الحطب، أو في أجواف الأرضين، أو في أجواف الحيوان.
و الحر إذا صار في البدن، فإنما هو شيء مكره، و المكره لا يألو يتخلص و هو لا يتخلص إلا و قد حمل معه كلّ ما قوي عليه، مما لم يشتد، فمتى خرج خرج معه ذلك الشيء.
قال: فمن هاهنا غلط القوم.
١٢٧٨-[قول الدّهرية في أركان العالم]
قال أبو إسحاق: قالت الدهرية في عالمنا هذا بأقاويل: فمنهم من زعم أن عالمنا هذا من أربعة أركان: حرّ، و برد، و يبس، و بلّة[٢]. و سائر الأشياء نتائج، و تركيب، و توليد. و جعلوا هذه الأربعة أجساما.
و منهم من زعم أن هذا العالم من أربعة أركان: من أرض، و هواء، و ماء، و نار.
و جعلوا الحر، و البرد، و اليبس، و البلّة أعراضا في هذه الجواهر. ثم قالوا في سائر الأراييح، و الألوان، و الأصوات: ثمار هذه الأربعة[٣]، على قدر الأخلاط، في القلة و الكثرة، و الرقة و الكثافة.
فقدّموا ذكر نصيب حاسّة اللمس فقط، و أضربوا عن أنصباء الحواسّ الأربع.
قالوا: و نحن نجد الطّعوم غاذية و قاتلة، و كذلك الأراييح[٤]. و نجد الأصوات ملذة و مؤلمة، و هي مع ذلك قاتلة و ناقصة للقوى متلفة. و نجد للألوان في المضار و المنافع، و اللّذاذة و الألم، المواقع التي لا تجهل، كما وجدنا مثل ذلك في الحر و البر، و اليبس و البلّة، و نحن لم نجد الأرض باردة يابسة، غير أنا نجدها مالحة، أي ذات مذاقة و لون كما وجدناها ذات رائحة، و ذات صوت متى قرع بعضها بعضا.
فبرد هذه الأجرام و حرها، و يبسها و رطوبتها، لم تكن فيها لعلة كون الطّعوم و الأراييح و الألوان فيها. و كذلك طعومها، و أراييحها و ألوانها، لم تكن فيها لمكان كمون البرد، و اليبس، و الحر، و البلّة فيها.
[١]الحرارات: جمع حرارة.
[٢]البلّة: البلل.
[٣]أي: الحر و البر؛ و اليبس و البلة.
[٤]الأراييح: جمع للريح، و هو الرائحة.