الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٣٧ - ١٣٩٦- حديث ثمامة عن الفأر
فإن كان يجد من ريحه بعد شيئا زاد عليه من التراب، لأنّ الفأرة لطيفة الحسّ، جيّدة الشّمّ، فإذا وجدت تلك الرائحة عرفتها فأمعنت في الهرب، فلذلك يصنع السنّور ما يصنع.
١٣٩٥-[فأرة العرم]
[١] و لا يشكّ الناس[في][٢]أن أرض سبإ و جنّتيها إنما خربتا حين دخلهما سيل العرم-و العرم: المسنّاة-و أن الذي فجّر المسنّاة، و سبّب لدخول الماء الفأرة.
و السّيل إذا دخل أخرب بقدر قوّته. و قوّته من ثلاثة أوجه: إمّا أن تدفعه ريح في مكان يفحش فيه الريح، و إما أن يكون وراءه و فوقه ماء كثير، و إما أن يصيب حدورا عميقا.
١٣٩٦-[حديث ثمامة عن الفأر]
و أما حديث ثمامة فإنه قال: لم أر قطّ أعجب من قتال الفأر، كنت في الحبس وحدي، و كان في البيت الذي أنا فيه جحر فأر، يقابله جحر آخر، فكان الجرذ يخرج من أحد الجحرين فيرقص و يتوعّد، و يضرب بذنبه، ثم يرفع صدره و يهزّ رأسه. فلا يزال كذلك حتى يخرج الجرذ الذي يقابله، فيصنع كصنيعه. فبينما هما إذ عدا أحدهما فدخل جحره، ثم صنع الآخر مثل ذلك. فلم يزل ذلك دأبهما في الوعيد و في الفرار، و في التحاجز و في ترك التّلاقي. إلا أني في كل مرة أظنّ للذي يظهر لي من جدهما و اجتهادهما، و شدة توعّدهما، أنهما سيلتقيان بشيء أهونه العضّ و الخمش، و لا و اللّه إن التقيا قطّ؟فعجبت من وعيد دائم لا إيقاع معه، و من فرار دائم لا ثبات معه، و من هرب لا يمنع من العودة، و من إقدام لا يوجب الالتقاء. و كيف يتوعّد صاحبه و يتوعده الآخر؟و بأيّ شيء يتوعده، و هما يعلمان أنهما لا يلتقيان أبدا؟فإن كان قتالهما ليس هو إلا الصّخب و التّنييب[٣]فلم يفرّ كلّ واحد منهما حتى يدخل جحره؟و إن كان غير ذلك فأيّ شيء يمنعهما من الصّدمة؟و هذا أعجب.
[١]ثمار القلوب (٦٠٩) .
[٢]إضافة من ثمار القلوب، حيث نقل الخبر عن الجاحظ.
[٣]التنييب: إنشاب الأنياب.