الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣ - ١٢٨٧- ألوان النّيران و الأضواء
و كل نور و ضياء هو أبيض، و إنما يحمرّ في العين بالعرض الذي يعرض للعين.
فإذا سلمت من ذلك، و أفضت إليه العين رأته أبيض، و كذلك نار العود تنفصل من العود، و كذلك انفصال النار من الدّهن و معها الدخان ملابسا لأجزائها. فإذا وقعت الحاسة على سواد أو بياض في مكان واحد، كان نتاجهما[١]في العين منظرة[٢] الحمرة.
و لو أنّ دخانا عرض بينك و بينه قرص الشمس أو القمر لرأيته أحمر. و كذلك قرص الشمس في المشرق أحمر و أصفر، للبخار و الغبار المعترض بينك و بينه.
و البخار و الدخان أخوان.
و متى تحلّق القرص في كبد السماء، فصار على قمة رأسك؛ و لم يكن بين عينيك و بينه إلا بقدر ما تمكن البخار من الارتفاع في الهواء صعدا-و ذلك يسير قليل-فلا تراه حينئذ إلا في غاية البياض.
و إذا انحطّ شرقا أو غربا صار كلّ شيء بين عينيك و بين قرصها من الهواء، ملابسا للغبار و الدخان و البخار، و ضروب[٣]الضّباب و الأنداء[٤]فتراها إما صفراء، و إما حمراء.
و من زعم أن النار حمراء فلم يكذب إن ذهب إلى ما ترى العين، و من ذهب إلى الحقيقة و المعلوم في الجوهرية، فزعم أنها حمراء، ثم قاس على ذلك جهل و أخطأ.
و قد نجد النار تختلف على قدر اختلاف النّفط الأزرق، و الأسود، و الأبيض.
و ذلك كله يدور في العين مع كثرة الدخان و قلته.
و نجد النار تتغير في ألوانها في العين، على قدر جفوف الحطب و رطوبته، و على قدر أجناس العيدان و الأدهان، فنجدها شقراء، و نجدها خضراء إذا كان حطبها مثل الكبريت الأصفر.
[١]نتاجهما: أي نتاج السواد و البياض.
[٢]المنظرة: المنظر.
[٣]الضروب: الأنواع.
[٤]الأنداء: جمع ندى.