الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٤٨ - ١٥٦٨- المكّيّ و جاريته سندرة
١٥٦٧-[شدة نتن التّيوس]
فالتّيس كالكلب؛ لأنه يقزح[١]ببوله، فيريد به حاقّ[٢]خيشومه. و بول التّيس من أخثر البول و أنتنه، و ريح أبدان التّيوس إليها ينتهي المثل. و لو كان هذا العرض في الكبش لكان أعذر له؛ لأن الخموم و اللخن، و العفن و النّتن، لو عرض لجلد ذي الصّوف المتراكم، الصّفيق الدقيق، و الملتفّ المستكثف؛ لأن الرّيح لا تتخلّله، و النسيم لا يتخرّقه-لكان ذلك أشبه.
فقد علمنا الآن أن للتيس مع تخلخل شعره، و بروز جلده[٣]و جفوف عرقه، و تقطع بخار بدنه-فضلا ليس لشيء سواه. و الكلب يوصف بالنّتن إذا بلّه المطر.
و الحيّات توصف بالنّتن. و لعل ذلك أن يجده من وضع أنفه على جلودها.
و بول التّيس يخالط خيشومه. و ليس لشيء من الحيوان ما يشبه هذا، إلا ما ذكرنا من الكلب، على أن صاحب الكلب قد أنكر هذا.
و جلود التّيوس، و جلود آباط الزّنج، منتنة العرق، و سائر ذلك سليم. و التيس إبط كله[٤]، و نتنه في الشتاء كنتنه في الصيف. و إنا لندخل السكّة و في أقصاها تيّاس[٥]، فنجد نتنها من أدناها، حتى لا يكاد أحدنا يقطع تلك السكة إلا و هو مخمّر الأنف. إلا ما كان مما طبع اللّه عزّ و جلّ عليه البلويّ و عليّا الأسواري؛ فإن بعضهما صادق بعضا على استطابة ريح التيوس. و كان ربما جلسا على باب التّيّاس؛ ليستنشقا تلك الرائحة، فإذا مرّ بهما من يعرفهما و أنكر مكانهما، ادّعيا أنهما ينتظران بعض من يخرج إليهما من بعض تلك الدّور.
١٥٦٨-[المكّيّ و جاريته سندرة]
فأما المكي فإنه تعشّق جارية يقال لها سندرة، ثم تزوجها نهاريّة[٦]و قد [١]قزح ببوله: أرسله دفعا.
[٢]الحاق: وسط الشيء.
[٣]بروز جلده: أي ظهوره لخفة الشعر الذي عليه.
[٤]أي أنه منتن البدن كله.
[٥]التياس: صاحب التيوس.
[٦]الزواج النهاري: يفهم منه أن كلاّ من الزوجين لا يلقى صاحبه إلا في النهار، و أورد الجاحظ في البخلاء ١٢٤: «قالت له امرأة: ويحك يا أبا القماقم إني قد تزوجت زوجا نهاريا، و الساعة وقته، و ليست عليّ هيئة، فاشتر لي بهذا الرغيف آسا، و بهذا الفلس دهنا، فإنك تؤجر. فعسى اللّه أنه يلقي محبتي في قلبه. فيرزقني على يدك شيئا أعيش به، فقد و اللّه ساءت حالي، و بلغ المجهود مني» .